مع الدكتور أحمد أمين
في
حديث المهدي والمهدوية
المفكر الإسلامي
آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين
( قدس سره )
المصلح المنتظر في أحاديث الأديان
لا يشك أحد أن فكرة الإصلاح المنتظر قديمة بقدم الزمان، وإنها ليست من متفردات دين الإسلام، ولا من مؤسسات نبي الإسلام (ص) لأنا نجد الأديان السماوية التي سبقت الإسلام في الزمن تبشر بهذه الفكرة، وإن لم تُسمّ المصلح المنتظر مهديا ً ولا دعوته الإصلاحية مهدوية.
ولسنا نشترط عليها ذلك بعد أن علمنا أن لكل أمة عرفا ً، ولكل لغة مصطلحات ولا تزال هذه الفكرة باقية فيما بقي من فرق هذه الأديان؛ فَفِرق اليهود، وطوائف النصارى لا تختلف في ذلك.
وقد سَرَت هذه الفكرة إلى غيرهم من الأديان الأخرى كالزرادشتية، والبرهمية، والدكتور يعترف ببعض ذلك في كتابه(1) وإن كانت أُمم الشرق أكثر تمسكا ً بالفكرة لأن الشرقيين أكثر أملا ً، والغربيين أكثر عملا ً، كما يقول الدكتور في مقدمته ولذلك فلا يمكننا التصديق بأن هذه الفكرة وليدة الضغط الشديد الذي واجهته الشيعة من الحكومات القائمة، ولا يسعنا أن نقول أن تأريخ الفكرة متأخرة عن تاريخ الإسلام كما يحاوله الأستاذ.
والنتيجة المنطقية لما تقدم: أن فكرة الإصلاح المنتظر كانت مألوفة قبل مجيء الإسلام، وأن نبي المسلمين- إذا صحّت أحاديث المهدي- أحد المبشرين بهذه الحركة الإصلاحية الموعودة، وأن كان أشدّهم صلة بها، وأكثرهم حبا ً لها، من ناحية أخرى، من حيث أنها ثمرة كاملة لغرسه، ونتيجة تامة لمقدماته.
أقول هذا، لأن دين الإسلام قد أحال أن يكون بعده دين جديد.
وإذا تطابقت هذه الأديان على التحدث بهذه الفكرة وإذا كانت مرتقبة عند أُمم الشرق وأُمم
(1) انظر صحيفة 6 وصحيفة 20 من المهدي والمهدوية وانظر صحيفة 5 و 6 و81 من الترجمة الفارسية لكتاب (المهدي في ثلاثة عشر قرنا ً) تأليف المستشرق الفرنسي الأستاذ ( خاورشناس دار مستتر)
الغرب كان الحديث عنها متواترا ً يقينا ً، وإذا صح للتواتر معنى يستمد عليه العقلاء(1) وهو يجوز لنا أن نحكم على هذه الأمم جميعا ًإنها تواطأت على الكذب، وهذا ما لا يقبله عقل، ولا يحتمله عاقل، ولم يشترط أحد في الخبر المتواتر أن يكون نبأ ًعن الماضي (2) ولتكن هذه الفكرة موافقة لميول الناس العامة أو مخالفة لها، لأن موافقة الميول لا يمكن أن تجعل دليلا ص على كذب فكرة أو صدقها، ولا برهانا ً على وضع الأحاديث فيها، ولا يعد هذا من أساليب النقد العلمي، إلا أن تكون للنقد موازين أخرى لا يعرفها العلم.
حديث الإصلاح المنتظر متواتر عند كثير من أهل الشرائع الأولى، وأحاديث المهدي متواترة عن نبي الإسلام على ألسنة طوائف المسلمين، وليس بعد هذا مساغ لنقد أسانيد الروايات كما يحاوله الدكتور؛ ويحاوله العلامة ابن خلدون من قبله، لأن صحة السند لا تشترط في الأحاديث المتواترة، هذا من الوجهة الفنية، أما مخالفة هذه الأحاديث للعقل، أو لهوى نفسي يسميه الدكتور أحمد أمين عقلا ً فهو شيء نبحث عنه في الآتي القريب.
أقول: أحاديث المهدي متواترة عند فرق المسلمين، لأن الذين رووا هذه الأحاديث طوائف كثيرة من أئمة المنقول، وحفاظ السنة، ودونها الأكثر منهم، وأفردها كثير منهم بالتأليف، وأشار إلى مضامينها البعض الآخرون.
(1) التواتر شيوع في الخبر، واستفاضة في نقله، إذا أدت هذه الاستفاضة إلى اليقين بصدق الخبر، وأحال العقل تواطؤ المخبرين على الكذب فيه، والعقلاء يعتقدون أن التواتر من أهم أسباب اليقين بالأشياء، ويدّون الخبر المتواتر من الضروريات التي يصدقها العقل بنظرته الأولى، وإذا نظرنا أهم الوقائع في التأريخ وجدنا أن العلم بها إنما يحصل لنا من الخبر المتواتر، ولكن من الحق أن نشترط لحصول العلم من الخبر المتواتر شرطا ً آخر وراء ما تقدم، وهو أن يكون ذهن السامع خاليا ً من عقيدة أو شبهة تناقض الخبر؛ ولذلك قد لا يحصل لنا العلن بواقعة من وقائع التأريخ، وإن كانت متواترة بين المؤرخين.
ومن أمثلة ذلك تشكيك الدكتور طه حسين بوجود بعض الشخصيات الأدبية، وإن أصرّ على وجودها المؤرخون والواجب في مثل هذا أن ينظر الناقد مقدار قيمة تلك الشبهة أو العقيدة من البرهان العلمي.
(2) يقول العلامة ( علي نب أبي علي بن محمد الأمدي) المتوفي سنة 631 هجرية في الجزء الثاني من كتابه
( الأحكام في أصول الأحكام ) ص44 (( شرطت الشيعة وابن الراوندي وجود المعصوم في خبر المتواتر، حتى لا يتفقوا على الكذب وهو باطل...)) ومن حق الشيعة أن تسأل العلماء الذين يشهدون للآمدي بالوثاقة ويصفونه بالتثبت عن مصدر هذه النسبة، أي كتب الشيعة يشترط هذا الشرط، وعن أي علمائهم ينقل؛ أنها نسبة كاذبة من دون ريب، والشيعة تشترط وجود المعصوم في حجية الإجماع، والإجماع غير الخبر المتواتر، ولكن الآمدي رحمه الله ( أضاع ثقب الدعاء ) كما يقول المثل الفارسي.
ويقول العلامة ابن خلدون في الفصل الذي عقده في الفاطمي المنتظر من مقدمته [اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الإعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت...] وفي هذا القول شهادة صريحة بشهرة الفكرة بين المسلمين على ممر الإعصار وفيه إيماء تواترها، وإن كان هذا الإيماء من طرف خفي على ما يقول المتقدمون.
ولكنه يعرض في فصله لأحاديث الفكرة فيتناولها بالنقد ولا يسلم عنده من أسانيدها إلا القليل؛ كأن صحة السند تعتبر في الخبر المتواتر؛ وكأنه أحاط بأخبار الفكرة جميعها، فإذا نقدها فقد خلت الفكرة من الدليل، ولو تتبع قليلا ً لعلم أن الفكرة أرفع من هذه المحاولات،وإن أدلتها غنى عن تصحيح الأسانيد، وإلى القارئ قائمة صغيرة بعدد الأحاديث التي دونها الثقاة من رجال المنقول والتي عرضت لي أثناء بحثي القصير .
أربعون حديثا ً خرجها الحافظ أبو نعيم في كتابه (ذكر نعت المهدي) وقد رواها الأربلي في كتاب كشف الغمة بحذف الأسانيد0
ثمانية وثلاثون حديثا ً ذكرها ابن خلدون في مقدمته لينقد أسانيدها0
سبعون حديثا ًخرجها الحافظ محمد بن يوسف الكنجي في كتاب البيان 0 مائة وعشرة أحاديث رواها صاحب كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي، وجميع رواة هذه الأحاديث من رجال المذاهب الأربعة ولو أردنا أن نضيف إلى تقدم الأعداد الصغيرة التي يذكرها المحدثون في مختلف أبواب الحديث لأصبح العدد ضخما ً جدا ً، وأي معنى لتواتر الحديث إذا لم يكن منه هذا العدد الكبير (1) 0
ومن الحق أن نستثني من هذا العدد الأحاديث التي كررت بمتونها وأسانيدها، ولست أظن أنها تتجاوز الثلاثين وقد جمع في كتاب غاية المرام من هذا العدد مائة وخمسة وستين حديثا ً، وأورد في كتاب ينابيع المودة ما يتجاوز المائتين، ولنغمض عما ترويه الشيعة بطرقها الخاصة، فإن لهذه الروايات حسابا ً خاصا ً وهذه الأحاديث وإن لم تشترك في لفظ واحد، إلا أنها تعبر عن فكرة واحدة.
أما العلماء الذين شهدوا بتواتر الحديث عن الفكرة فهم كثيرون جدا ً، وهذا جدول صغير بأسماء بعضهم.
(1) لاحظنا في تعداد الأحاديث اختلاف المتن أو السند ولو ببعض الوسائط إذا كان هذا الاختلاف يصحح جعلها روايتين، وقد رأينا الحافظ أبا نعيم يروي بعض الأحاديث بطرق كثيرة تتجاوز الخمسين طريقا ً ويروي بعضها بثمانية طرق وبعضها عن جمّ غفير.
1- الحافظ محمد بن يوسف الكنجي المتوفي سنة 658 في كتاب البيان.
2- أبو الحسين الآبري على ما نقله ابن حجر في الصواعق ص99.
3- السيد مؤمن الشبلنجي في كتاب نور الأبصار ص231.
4- زيني دحلان المتوفي سنة 1304 في كتاب الفتوحات الإسلامية ص322.
5- ونقله هو في هذه الصحيفة عن السيد محمد بن رسول البرزنجي المتوفي سنة
1103.
6- السيد جمال الدين عطاء الله ابن السيد فضل الله الشيرازي المتوفي سنة 1000 نقله عن أكثر أهل الرواية.
7- أحمد بن محمد بن الصديق في رسالته إبراز الوهم المكنون.
8- الإمام الشوكاني المتوفي سنة 1250 في كتاب التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح، وقد نقل التواتر عن هذين الأخيرين الدكتور أحمد أمين في المهدي والمهدوية.
ولو ألقى الدكتور نظرة بسيطة على صحيحي البخاري ومسلم، أو على بعض الكتب الأخرى التي تحدث عنهما لَعَلِمَ أن الإمامين قد خرجا بعض الأحاديث في المهدي كما خرجها الثقاة الآخرون، ولما شهد لهما بالفخار في صحيفة 41 لأنهما لم يرويا من هذه الأحاديث شيئا ً.
فقد حدّث الحافظ أحمد بن حجر الشافعي (1) عن مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة، والبيهقي، وآخرين من علماء الحديث قول النبي وآلهr ( المهدي من عترتي، من ولد فاطمة).
وخرج مسلم في باب نزول عيسى حاكما ً قول النبي وآلهr (( كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)) ونقل الكنجي الشافعي في كتاب البيان مثل هذا عن البخاري أيضا ً، وروى مسلم (( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال فينزل عيسى بن مريم u فيقول أميرهم تعالى صل لنا، فيقولا لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة))، وخرّج مسلم أحاديث الخليفة الذي يحثو المال حثوا ً في آخر الزمان.
وإذا كان بعض هذه الأحاديث لا يحمل اسم المهدي فإنه يذكر من صفاته ونعوته ما يرفع اللبس ويزيل التوهم.
![]()
(1)
انظر صحيفة 97 من كتاب الصاعق المحرقة.
والدكتور قد اعتمد في شهادته هذه على بحث العلامة ابن خلدون للموضوع، لأنه لم يروَ للإمامين حديثا ً صريحا ً، ونقد أحاديث مسلم في الخليفة الذي يحثو المال حثوا ً بأنها لم يقع فيها تصريح بذكر المهدي، ولا دليل يقوم على أنه هو المراد من هذا الخليفة.
ومن الإحصاء المتقدم نعلم مقدار الجهد الذي بذله ابن حجر إحصاء روايات المهدي حين وجدها نحو الخمسين، ونعلم أيضا ً أن لفظة المهدي ولفظة المنتظر ليستا من مؤسسات الشيعة، ولا من مخترعات المختار ابن أبي عبيد كما يراه الدكتور وهذا رأي قد لا يوافقه عليه ابن خلدون، ولكن الدكتور يحاول أن يخضع الحقائق لرأيه الخاص ثم يعتذر عما يقول بأنه من المؤرخين وأن الفرق واضح بين باحث يبحث المسائل من حيث تاريخها، وبين داع يخطب في تأييد مذهب أو نقده على أن التأريخ يأبى له هذا الاستنتاج أيضا ً وسنينه فيما بعد.
والناظر في الصحيفة المتقدمة من كتاب المهدي والمهدوية، يقرأ فيها تهمة جريئة يوجهها الأستاذ إلى حفاظ السنة وأكابر المنقول من رجال الصحاح والجوامع التي لا يختلف في توثيقها أهل السنة.
ولعل هذا النوع من اتهام كتب الحديث خطوة يخطوها الأستاذ إلى التجدد الذي يذكره في بعض فصول الكتاب، وإن كان في خطوته هذه من المحافظين على ما يظهر لأنه يشهد بالفخار للصحيحين.
وقد تسرّبت هذه الطريق الفنية من النقد إلى كثير من كتاب الجيل, وهم يقصدون بهذا تسهيل طريق الإنكار إذا ألجأتهم الضرورة إلى إنكار بعض الحقائق.
وقد رأينا مثل هذه الطريقة للعلامة ابن خلدون في فصله المتقدم، ولعل هذه الحرية في ابن خلدون هي التي حببت إلى الدكتور متابعته في كثير مما كتب حتى في هذه التفرقة البسيطة بين المؤرخ والداعي الخطيب، والدكتور على ما يظهر شديد الاتصال بروح العلامة بروح العلامة ابن خلدون، وشدة الاتصال هذه تثمر وحدة في الرأي تسمى موافقة في الطبقة العالية من الأدباء، وتسمى تقليدا ً في الأدباء الآخرين، وكأن كتاب المقدمة هو المصدر الأول للدكتور، حتى فيما ينسبه إلى الشيعة من العقائد.
وخلاصة ما تقدم أن أحاديث المصلح المنتظر متواترة عند أهل الشرائع الأولى وأحاديث المهدي المنتظر متواترة بين فرق المسلمين كافة، ومتواترة عند فرقة الشيعة خاصة.
وبعد هذا كله فإن الشيعة الإثني عشرية لم تأخذ عقيدتها بوجود المهدي من هذه الأحاديث فقط، وإن كانت متواترة، والتواتر من أهم أسباب اليقين.
ولكن الشيعة الإثني عشرية تعتقد بوجوده وبضرورة بقائه لأدلة قطيعة أخرى وراء الأحاديث المتواترة، وهذا ما نعرض له في الفصول اللاحقة.