مع الدكتور أحمد أمين
في
حديث المهدي والمهدوية
المفكر الإسلامي
آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين
( قدس سره )
المهدي في ديوان الخلفاء
يستوقفني الفكر طويلا ً حين أريد الدخول إلى بحث الإمامة، وحين أحاول أن أضع بين يدي القاريء مفتاحه الأول، فإن لهذا البحث أكثر من مفتاح واحد.
لماذا اختصت الشيعة بالقول بالإمامة؟ ولماذا أصبحت الإمامة علما ً على هذه الطائفة دون أخواتها الأخرى من فرق المسلمين؟ وهل يمكن لأحد من العقلاء وإن لم يكن من المسلمين أن يُنكر وجوب نصب الإمام! إذن فبماذا تحفظ الحقوق بين أفراد البشر؟ وبماذا يرد ظلم الظالمين وعدوان العادين ولماذا يهتم العقلاء بنصب الملوك والرؤساء؟.
الإمام سلطان، والسلطان ضرورة من ضرورات الحياة، والإمام وازع يتوقف عليه بقاء الاجتماع، لا بد من وجوده، ولا بد من نصبه إذا لم يكن موجودا ً، وهذا أمر يستحيل أن يقع الشك فيه من أحد.
وإذن فخلاف سائر المسلمين مع الشيعة إنما يكون في شؤون هذه الإمامة وفي شرائطها.
- من هو الإمام الذي يجب نصبه؟ وماذا يجب أن تجتمع فيه من الشرائط؟.
- ومن الذي يتولى نصب هذا الإمام؟
- وما الذي يتولاه الإمام من المهمات التي تحتاج إليها الأمة؟.
والناظر في علم الكلام والعقائد يرى أن هذه الأسئلة محبوكة متداخلة يظهر جواب بعضها من الجواب على البعض الآخر.
تقول الشيعة: الإمامة خلافة النبوة، فيشترط فيها ما يشترط في النبوة.
عهدت الأمة من مؤسس الدين ملكا ً لا كالملوك، ورئيسا ً لا كالرؤساء وعهدت من قرآنه نظاما ً لا يشبه الأنظمة.
عهدت من نبيها ملكا ً يخضع الدنيا لسلطة الدين، ويقيس الأعمال بميزان العقيدة ويكوّن من مجموع هذه الأشياء وحدة لا تقبل التجزئة والتفرق، وعهدت من قرآنها نظاما ً يهدف إلى الغاية بجميع مواده وفصوله وهو وراء هذا كله نظام معصوم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
هكذا عهدت الأمة ملكها عند الصباح، فيستحيل أن لا يكون كذلك عند المساء؛ يجب أن تكون الرؤساء من لون واحد، إذا كان القانون مستمرا ً على لون واحد لأن تغيير منهاج السلطة في المدة القصيرة يحتاج إلى تغيير كبير في نظام المملكة, وهذا شيء لا تسوغه الشريعة ولا تسمح به العادة، وقد يؤدي إلى محاذير شديدة، وعاقبة لا تحمد.
فيجب أن تكون للرئيس الثاني كل سلطة أو وظيفة تثبت للرئيس الأول، لأن النظام لم يفرد سلطة الدنيا عن سلطة الدين، وهذا هو الجواب عن السؤال الأخير وإذا أجبنا عن هذا السؤال علينا أن نجيب عن بقية الأسئلة بعد استعراض صغير لمهمات الرئيس الأول.
(1) علمنا أن الرئيس الأول مؤسس لشريعة إلهية يستفيدها من وحي السماء، وهذه هي المهمة الوحيدة التي لا يصح أن يشاركه فيها أحد، لأن نظام الشريعة قد حكم بانتهاء النبوات.
وإذا لم يكن الرئيس الثاني نبيا ً، فإنه حافظ شريعة وحارس نظام، فيستحيل أن لا يكون علما ً بدقائق هذه الشريعة، ومحتويات هذا النظام، وكيف يستطيع أحد أن يكون حافظا ً لما لا يعلم.
ولا يكفي لأداء هذه المهمة أن يعلم أحكام الشريعة بالاجتهاد أو بالتقليد، لأن المجتهد لا تجب إطاعته على المجتهدين الآخرين ولا على مقلديهم، والمقلد أقل منه في المنزلة، وأخفض منه في المرتبة، والإمام وأجب الإطاعة على جميع أفراد الأمة من غير استثناء.
ونتيجة هذا إن الرئيس الثاني يجب أن يكون عالما ً بجميع أحكام الشريعة والقرآن ويجب أن يكون علمه هذا من غير طريق الاجتهاد أو التقليد.
ولست أقول أن هذا العلم الهامي، فإن الدكتور الجليل يستكثر على الله الذي أوحى إلى النحلة ما تفعل وألهم النملة ما تترك وما تعمل، يستكثر الأستاذ عليه أن يلهم بعض المقربين من أوليائه ما يصلح العباد من العلم وما يسددهم من العمل.
نعم إن الأستاذ يستكثر على هؤلاء المقربين، أن يحتفظوا ببعض مخلفات الوحي من علوم المستقبل، لنهم يسمون الكتاب الذي يشتمل على هذه المخلفات جفرا ً، وربما استكثر هذه الأنباء على الوحي نفسه، لأنها غيب والنبي وآلهr يقول (( مالي ولهم يسألونني عما لا أعلم وإنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي)) أرأيت أجمل من هذه الدعوى، وأشد مطابقة من هذا الدليل كأن الشيعة تدعي العلم لنبيها ولأئمتها من غير تعليم الله.
أهكذا تنقد الحقائق أيها الأستاذ.
على هذا الحديث يستند الدكتور في قوله هذا، وإلى الآية التي تقول: } قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله { (1) ولكنه يتناسى الآية الثانية التي تقول: } عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ً إلا من ارتضى من رسول { (2)
وهذه النغمة قديمة سمعتها الشيعة منذ قرون، وظنت أن المدينة الحديثة ستحدد منها بعض التحديد حين يرى الكتاب الناقدون ملوك الدنيا تعد أبناءها ليوم العرش بالثقافة الصحيحة، وتؤسس لهم المعاهد العالية، وإن البقية من الداء ستنحسم حين يدركون الفرق الفارق بين ملك يقود الأمة لصلاح دنياها، وإمام تطلب الأمة منه صلاح الدنيا والدين.
هذا ما أملته الشيعة حين استهل عصر الحقائق، وهذا ما تؤمله بعد أيضا ً فهل للأيام أن تحقق لها هذه الأمنية وهل للنقاد المحترمين أن ينظروا إلى الحقائق بغير المنظار الأول الذي خلقته الأحقاد؛ ولم تخلقه الأيام، ليعيش المسلم إلى جنب المسلم أخا ً بالمعنى الصحيح من الأخوة كما سماهم الله في كتابه، وكما دعاهم إليه النبي في سنته.
هذا ما أوجهه إلى جمعية التقريب المحترمة، وإلى عضوها الجليل سعادة الدكتور أحمد أمين، وإلى كل غيور من حماة القرآن.
(2) علمنا أن الرئيس الأول لهذه الأمة يحمل رسالة مقدسة إلهية وهو لهذه الرسالة، يحتاج إلى قوة عقلية كاملة تؤهله لأن يكون أمينا ً على عهد السماء، وتعينه على أداء مهمته بالتبليغ، وتسهل للمدعوين طريق القبول، وتقطع عذر المعتذر وريب المرتاب، وهذه القوة الكاملة في العقل النظري والعقل العملي هي العصمة(3).
ويسهل علينا التصديق بهذا القول إذا علمنا أن هذه الرسالة دين يريد الله تبليغه إلى عامة البشر، وناموس يجب أن تخضع له جميع الأمم والأجيال، وفي ذلك ما فيه من المتاعب والمصاعب، وفي البشر ما فيهم من المكابرة والتردد في أمثال هذه الدعوة، وفي النفوس وما فيها من التعصب لعقيدة الآباء والعادات المألوفة، وكيف يستطيع أن يستظهر على جميع هذه العقبات، ويبلغ عهد الله كاملا ً غير منقوص إذا لم تكن له تلك القوة.... العصمة.
(1) سورة النمل 65. الكف آية 26، 27.
(2) سورة الجن آية 26.
(3) يقول المتكلمون: العصمة لطف من الله عزّ وجل يحصل للكاملين من أفراد البشر يمتنعون بها عن ارتكاب الجرائم عمدا ً، ويرتفعون عن الوقوع بها خطأ؛ وهذا التعريف يؤول إلى القوة العقلية التي ذكرناها لتفسير العصمة؛ ويقول الخلقيون في تعريف العدالة: هي ملكة نفسانية يحصل بسببها الاعتدال التام في جميع ملكات النفس وصفاتها، وهذه الملكة تحصل من سيطرة العقل على جميع قوى الإنسان، وإذن فمبدأ العدالة قوة العقل، فإذا كانت هذه القوة في أسمى مراتبها سميت (( عصمة)).
أقول: كيف يستطيع أن يظهر على جميع هذه العقبات إذا لم يكن معصوما ً.
(1) لأن غير المعصوم قد يخل في التبليغ، فيزيد في الرسالة أو ينقص، عن عمد أو غير عمد.
(2) وكيف يثق الناس بدعوته مع هذا التجويز.
(3) وكيف يصدقونه في رسالته إذا رأوا من فعله ما يناقض قوله، والناس يقيسون أعما الإنسان بعضها على بعض، وخصوصا ً في هؤلاء المثاليين الذين يريدون أن يكونوا أدلاّء للناس على الخير، وقادتهم إلى الهدى.
(4) يمتنع أن يكون النبي غير معصوم، لأن اتباعه واجب على أفراد الأمة في كل ما يقول وفي كل ما يعمل، ووجوب اتباعه هذا بحكم الكتاب وبحكم العقل، فيكون صدور الخطايا منه سببا ً لحصول التناقض في أحكام الله.
(5) ولأن ارتكاب الجرائم يوجب له الفسق، فيجب رد شهادته بحكم الكتاب.
هذا نموذج صغير من الأدلة التي تقيمها الشيعة على عصمة الأنبياء، وما أكثر أدلتهم على ذلك، وإذا بلغ إحصاء الأدلة على عصمة الإمام إلى ألفي دليل(1) فكم يبلغ إحصائها على عصمة النبي وآلهr.
بهذا وبأمثاله يستدل الشيعة على ما يعتقدون، والعقيدة إذا استندت إلى أمثال هذه الحجج أصبحت يقينية لا تقبل التشكيك، والحكم العقلي إذا كان يقينا ً لزم أن يرد كل حديث يضاده، وان تؤول كل آية يفهم منها ما يخالفه، لأن اليقين لا يقابله أي دليل آخر لأنه يكون معلوم الكذب.
هكذا يستدل الشيعة على عقيدتهم بعصمة الأنبياء، أما الدكتور فإنه يستدل على عدم العصمة في النبي وآلهr بالحديث الذي يقول: (( توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة)) والحديث الذي يقول: (( إنه ليغان على قلبي )) .
(1) أنظر إلى كتاب الألفين للعلامة الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر المعروف بالعلامة الحلي المتوفي سنة 72للهجرة.
أنظر بربك انظر، ثم احكم إن استطعت الحكومة.
يقول الحديث الأول: إن النبي يتوب في اليوم مائة مرة، والمعنى الظاهر من هذا أنه يذنب في اليوم مائة ذنب، ويقول الحديث الثاني: إنه ليغان على قلبه، والغين إحاطة الرين بالقلب...
هذا شأن سيد الأنبياء في فكرة الحديثين أيها الأستاذ وهل يتصور هذا في غير المستهترين من الناس، وإذن فلا بد من تأويل الحديثين إذا صح سندهما، ولا بد من ردهما إذا لم يكونا صحيحين.
ولو أردنا أن نستعرض هذا النوع من الروايات لوجدنا ألوانا ً عجيبة من التهم والجرائم الأخلاقية والاجتماعية تنسب إلى الأنبياء الذين أئتمنهم الله على شرائعه، وائتمنهم الخلق على هدايتهم.
وبعد فإن عقيدة المسلم أرفع شأنا ً من أن تؤسس على أخبار آحاد مشوشة المعاني، وهي وراء هذا الاضطراب مناقضة للبرهان.
لا بد أن يكون النبي منزها ً عن الآثام لما ذكرناه من الأدلة، ولما لم نذكره؛ وإذا امتنع عليه أن لا يكون معصوما ً لأنه نبي، وجب أن يكون الرئيس الثاني معصوما ً أيضا ً لأنه إمام، والإمام يحتضن الأمانة المقدسة التي أودعتها السماء بيد الأمين الأول.
لا أقول أن الإمام يصبح نبيا ً كالرئيس الأول، لأن النبوة قد ختمت بنص الكتاب، ولكني أقول: الإمام هو الأمين الثاني على الشريعة، وهو القائم على تبليغها بعد الرسول؛ والشريعة تحتاج إلى حافظ يقوم برعايتها في مرحلة البقاء والاستمرار، كما تحتاج إلى مبلغ يقوم بنشرها عند التأسيس، وكلا هذين الحافظين يجب أن يكون تعيينه من قبل الله تعالى }إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون{ (1).
وإذا تماثل الرئيسان في المهمة وجب أن يكونا متكافئين في العصمة.
(1) لأن الإمام واجب الإتباع بنص الكتاب، وقطعي السنة فإذا لم يكن معصوما ً جاز أن يأمر بما يخالف حكم الله، فيكون ذلك تناقضا ً بين أحكام الله.
(1) سورة الحجر آية 9.
(2) ويكون الإلزام بطاعته سببا ً لنقض الغرض.
(3) ولأن غير المعصوم قد يخفي عليه كثير من الأحكام فلا يتمكن أن يكون
حافظا ً لأحكام الشريعة، وقد كلفه الله بذلك.
(4) ولأنه إذا جوّز على نفسه الخطأ في العمل أو في الاستنتاج وجب عليه أن
يتبع غيره لئلا يقع في الخطأ، وإذا اتبع غيره سقط وجوب اتباعه على الناس، لقوله تعالى: } أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يهدي إلا أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون{ (1) الإمام مرجع الأمة العام بعد موت نبيها، إليه ترجع إذا اختلفت، ومن علمه تأخذ إذا جهلت، والإمام مصدر الأمة فيما يتجدد من الأحكام التي لم يوضحها الكتاب، ولم تبينها السنة.
فمن اللازم أن يكون هذا المصدر أعلم الأمة بدينها وأصدقها في القول والعمل والشرع الذي يعتبر في شاهد الدعوى أن يكون عدلا ً، ويشترط في القاضي أن يكون نزيهاً، أرفع من أن يأتمن على مقدرات الأمة خائنا ً يتحكم في نفوسها وأموالها بما يتأول من نصوص الكتاب، وبما يفسر من متشابهات السنة نعم إن الشريعة أرفع شأنا ً من أن تأتمن مثل هذا على مقدرات الأمة، ثم تأمرها بلزوم طاعته، وتحذرها أشد تحذير عن مخالفته وتحكم ((أن من خرج من السلطان شبرا ً مات ميتة جاهلية)) (2).
وسواءً أكان وجوب نصب الإمام حكما ً عقليا ً كما يقول بعض الحكماء، أم كان سمعيا ً كما تقوله طائفة من المسلمين، فإن هذه النتيجة لا يجوز أن تختلف ولا يمكن أن تختلف.
هكذا شاء البرهان لهذه الأمة أن تعتقد؛ وأن تجري على هذا الاعتقاد فيما تعمل، وهكذا شاء لها القرآن أيضا ً، ولكن التاريخ شاء لها أن تختار، وأن تكون غير معصومة في هذا الاختيار، وأن تكون مخالفتها هذه سببا ً لنتائج معقدة يدونها تأريخ المسلمين من حيث يجب؛ أو من حيث يكره.
ولأعرض عن ذكر هذه المآسي التي قلبت تأريخ المسلمين إلى يومهم الأخير وحكمت على جهود النبي، وجهود المخلصين من أنصاره بعقم الإنتاج، لأعرض عنها فإن الحديث شجي وشجون، ولعل دموع القلم تجري قبل دموع الكاتب، لأعرض عنها لأني لا أكتب في التأريخ، ولا أودّ أن أكون من المؤرخين، ولست في ضرورة إلى تعليل هذه الكراهة.
من هنا أتى المسلمون أيها الأستاذ، لا من فكرة المهدي، ومن هنا ابتدأ الخلل في صفوفهم، وأي معنىً لخلل الصفوف غير اختلاف العقيدة.
(2) أنظر صحيح البخاري كتاب الفتن.
وما الذي يضر بفكرة المهدي إذا اتخذ المغرضون منها آلة لدعاياتهم؛ ونسجوا حولها خيوطا ً من الآمال، وما الذي يضر بهذه الفكرة إذا اتضح للناس بعد ذلك كذب الكاذبين وضلال الضالين.
لقد ادعى النبوة كثيرون في التاريخ، ثم اتضح للناس كذبهم وضلالهم، فلم يأخذ أحد من الناس هذا دليلا ً على إبطال فكرة النبوة، وقد جرى مثل هذا أي الربوبية منذ القديم.
ولو أردنا أن نبطل كل حق يتشبه به المُدّعون الكاذبون لأبطلنا كل حقيقة موجودة.
... هذا هو المقياس الذي يبتكره الأستاذ في كتاب المهدي والمهدوية، وهذا هو الدليل الذي يبني عليه إبطال فكرة المهدي، والإصلاح المنتظر...
لا ..لا.، أيها الأستاذ.ن (( ما هكذا تورد يا سعد الإبل)).
تخلّف المسلمون يوم تخلّفوا عما خطه لهم البرهان وحدده لهم القرآن، وانحلت صفوفهم يوم ابتدأ الانحلال في عقيدتهم، وكان من الضروري لهم أن يتراجعوا إلى الوراء من ذلك العهد، لولا حنكة في قادتهم الأُوَل، وثبات في بقية العقائد.
فكان الفضل لهؤلاء القادة في تحويل التأخر المحقق إلى حركة بطيئة نحو الاتجاه الأول؛ وكان الوقوف في آخر عهد الخلفاء الراشدين، وكان التراجع على الوراء بعد ذلك العهد.
من هنا أتى المسلمون أيها الأستاذ، ومن هنا ابتدأ الخلل في صفوفهم؛ فهل تريد مني أن أقدم لك بعض أدلة الشيعة على أن الخيرة لله في تعيين الإمام للأمة...، إذن فاستمع:
(1) علمنا مما تقدم أن الإمام يجب أن يكون عالما ً بجميع أحكام الشرع وأن
يكون علمه بذلك من غير طريق الاجتهاد أو التقليد.
وعلمنا أن الإمام يجب أن تكون له قوة عاصمة، يمتنع بها عن ارتكاب الآثام، وعن الوقوع في الجرائم عن عمد أو غير عمد، وهذان هما الشرطان الأساسيان في خلافة النبوة ولا يهمنا أن نثبت بقية الشرائط الأخرى في الإمام فإن لها كتبا ً أخرى.
وكلا هذين الشرطين من الأمور التي تخفى عن الأمة، وعلى أهل الحل والعقد منها، فكيف يصح أن يوكل إليها تعيين الإمام.
(2) كلنا نعلم اختلاف الأمة في شرائط الإمامة، فإذا كان تعيين الإمام بيدها،
كان من الضروري أن تختار كل جماعة من الأمة ما يوافق مذهبها في الإمامة ولا تنزل لأخواتها عما تقول، فيلزم اختلاف كلمة الأمة إلى غير اجتماع، وليس بعض هؤلاء الأئمة أحق بوجوب الإتباع من البعض الآخر، فيؤدي إلى إراقة الدماء الزكيّة.
(3) وأخيرا ً إلى استحالة الاختيار، واستحالة الإمامة إذا انحصر أمرها
بالاختيار، وفي النتائج السوداء التي وقعت في عهد علي ومعاوية، وفي زمان الحسن والحسين ما يثبت وقوع ذلك وأنه ليس مجرد فرض.
(4) يمتنع في العادة أن يطلع جميع أفراد الأمة، أو جميع أهل الحل والعقد من
الأمة على اجتماع شرائط الإمامة في واحد معين من أفراد المسلمين، حتى إذا كانت هذه الشروط متحدة لا خلاف فيها بين الجميع لأن الإطلاع يحتاج إلى معاشرة طويلة لذلك الشخص، وهذا غير ميسور لجميع أفراد المختارين وخصوصا ً إذا كثر عدد الأمة، واختلفت بلادهم. وتخصيص الاختيار ببعض الأمة استيثار يقبحه العقل، والشرع، وتمنعه المصلحة العامة المشتركة.
(5) علمنا أن غير الشيعة من فرق المسلمين تكتفي بالعدالة في الإمام ولنفرض
أن الشيعة وافقتهم على ذلك ليكون شرط العدالة إجماعيا ً بين المسلمين، فهل يكفي هذا الاجتماع كلمتهم حين يختارون.
وهذا الاختلاف الكبير في معنى العدالة وفي شرائط وجودها، ألاّ يكون حائلا ً عن الاجتماع، والوحدة في الاختيار.
نعم إن هذا الاختلاف من أعظم الموانع، وكل من تتبع آراء المسلمين في تعريف العدالة، يعلم مقدار البون الشاسع بين هذه المذاهب فلو رجع الاختيار إلى الأمة لم يمكنها الاجتماع، إلا أن يكون الحق لشيء آخر وراء العدالة والاختيار.
يستحيل على الأمة أن تختار ثم تجتمع على هذا الاختيار مع هذه الفوارق العظيمة بين الآراء والمذاهب إذا استثنينا الجهات الشخصية التي تجعل الاجتماع أكثر بعدا ً وأشد استحالة.
وإذا استفتينا تأريخ المسلمين الأُوَل؛ وجدنا السلف المتقدم لم يستطع أن يطبق نظام الاختيار بالمعنى الصحيح من التطبيق، وحديث الفلتة التي وقى الله المسلمين شرّها معروف عن الخليفة الثاني t يرويه المؤرخون والمحدثون على السواء(1).
(1)
أنظر صحيح البخاري، كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة.
ولعل هذه الاستحالة هي السبب الحقيقي لعدول الخليفة الأول t عن الاختيار إلى النص على من يخلفه من بعده.
أما الخليفة الثاني فقد جعل الأمر مزيجا ً من النص والاختيار، ولست أريد التوسع في هذه المباحث لأن هذا التوسع يبعدني كثيرا ً عن الغرض الأول.
ألفت العرب فكرة الشورى، وتحكيم أهل الحل والعقد منذ القديم، فكان من الصعب عليها أن تجنح لحكم البرهان، وكان من الضروري لهم أن يطبقوا النظام القديم المورث بما يمكنهم من التطبيق، وخضعت طائفة أخرى من المسلمين لحكم البرهان هذا، فكان من الضروري لهؤلاء أن يختاروا لأنفسهم ما اختاره الله لهم } وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم{ (1). وكان من الضروري لهم أيضا ً أن يسايروا الحكومة الرسمية القائمة حفظا ً لدماء المسلمين أن تراق، وصونا ً لكلمة الأمة أن تتفرق ولصفوفها أن تحل، والعقيدة هي العقيدة.
وهذا ما تسميه الشيعة (تقية)، وقد سماها الله تقية حين شرعها في كتابه }إلا أن تتقوا منهم تقاة{ (2).
وبعد قرون وشؤون أصبحت حكومة البرهان حكومة سرية تعمل لتفريق كلمة المسلمين، وأصبح الفريق الذي يعضده القرآن حزبا ً سياسيا ً يعرض الحكومة القائمة وعادت فكرة المهدي تعلة بسيطة يتعلل بها ضعفاء وترهم الحاضر فابتسموا للمستقبل، وحرمتهم اليقظة فاستسلموا للخيال، وكونوا مذهبهم من هذا الخوف ومن هذا الرجاء.
هذا هو رأي الدكتور أحمد أمين، ورأي فريق كبير من أدباء النقد الصحيح، والرأي الحر، ومهما عشت أراك الدهر عجبا ً.
هذه قائمة أسماء الأئمة الإثني عشر، وهذا تأريخهم الأحمر الباكي، وهذا تأريخ شيعتهم المظلوم حتى من نواحي تاريخية، اقرأ جميع ذلك بإمعان إذا استطعت أن تقرأ الحقائق الباكية.
اقرأ جميع ذلك ثم انظر: أي ثورة أقامها هذا الفريق ضد حكومة قائمة، وأي حركة إرهابية تزعمها أحد هؤلاء الأئمة المظلومين، إذا استثنينا الحركات التي وقعت على عهد علي والحسن، والتأريخ يقول لنا أن هذه الحركات غنما كانت لقمع العدوان ضد الحكومة
(1) سورة الأحزاب آية 36. (2) سورة آل عمران آية 28.
الشرعية القائمة كالحركات التأديبية التي وقعت على عهد الخليفة الأول.
أما نهضة الحسين، وأظن أن هنا بيت القصيد، فقد عدّها الدكتور من أهم الأحداث المتصلة بفكرة المهدي أما هذه النهضة فلم يكن الحسين يعترف ليزيد بحكومة ظاهرية، وأي حكومة مستقرة يعترف بها الحسين، وهو يرى العراق يراسله بالبيعة، والحجاز يتحفز للوثبة، والجزيرة على مثل البركان، وأقطار المسلمين الأخرى على ما يشبه هذا.
وكيف يستطيع الحسين أن يقف موقف المتفرج من هذه الأحداث، وهو في العدد الأول من زعماء المسلمين وقد علم من خفايا يزيد ما علمه الآخرون من ظواهره، وكيف يتركه المسلمون أن لا يعمل، ومن الذي يعمل إن لم يكن الحسين هو ذلك العامل.
وأخيرا ً فقد قتل الحسين يوم الطّفّ، وكان مقتله بداية عهد جديد للشيعة، وقد تلونت عقيدتهم بالدم، وتشربت أعمالهم بالدموع، ولكنهم أخلدوا بأمر أئمتهم إلى السكون وأحاديث الأئمة من أحفاد الحسين في تسكين الثورات القائمة والتنديد بالثائرين من أولاد الحسن والحسين كثيرة جدا ً وإذا استثنينا حركة المختار، وحركة زيد بن علي بن الحسين.
أما الذي يكون شوكة في جنب الدولة القائمة يهدّ من كيانها، ويهزّ من عرشها فهو الظلم الذي اتصف به رؤساء هذه الدول؛ وإراقة الدماء التي عصمها الله في كتابه وهو نتيجة مباشرة للتعدي عما حده البرهان، وأوضحه القرآن في معنى الإمامة.
وأما الفرس فإنهم لم يظهروا التشيع لنسب مشيج بينهم وبين العلويين، وقد كان بينهم العباسيين نظير هذه القربى.
وكأن الأستاذ حين تعرضه لهذه الناحية قد نسي أنه من المؤرخين، وأن التأريخ ينكر عليه هذه النتيجة. لأن الفرس لم يكونوا شيعة في بداية الأمر ولم تعرف العامة من الفارسيين مذهب أهل البيت إلا في عهد الإمام علي الرضا u ، ولم ينتشر التشيع في أقطار فارس انتشارا ً تاما ً إلا في عهد السلطان محمد خندابنده المغولي، وفي زمان العلامة الحلي(1) لقصة يذكرها بعض المؤرخين في حوادث سنة 707من الهجرة.
وهذا التفويض الإلهي الذي آمن به الفارسيون من زمان الأكاسرة؛ وكان هو السبب في رضاهم عن أولاد فاطمة، لم يفهم معناه، ولا علاقته بمذهب الشيعة في الإمامة لأن الشيعة يقولون بوجوب تعيين الإمام من قبل الله على لسان النبي وآلهr والفرس الذين يتشيعون يعتقدون بهذه العقيدة أيضا ً، وهذا يخالف معنى التفويض في الإمامة.
(1) الحسن بن يوسف علي بن المطهر الشهير بالعلامة الحلي المتوفي سنة726.
ولعل نظرية التفويض قريبة من معنى الاختيار الذي عليه غير الشيعة من المسلمين لأنهم يقولون: إن نصب الإمام مفوض إلى اختيار الأمة وتعيينها.
ولعل الأستاذ يعبر عن الفيض الإلهي بالتفويض لأنهما يلتقيان بالاشتقاق الكبير.
وإذا كان الفارسيون يؤمنون بنظرية الفيض الإلهي في الإمام، فأي نكر في هذا
الاعتقاد إذا حتمه الدليل، والفيض الإلهي اصطلاح للفلاسفة يريدون به الوجود المعلول إذا حذفت منه التعينات التي تسبب الكثرة، ويسمونه أيضا ً الفيض المقدس.
وقد يعبرون بالفيض الإلهي عن الكمال في صفة من الصفات، فإذا كان الرجل
عالما ً بارعا ً قالوا إن الله خصه بفيض من عنايته؛ ويريدون بهذا أن الإنسان مفتقر إلى عناية الله في كل ناحية من نواحيه، وهذا المعنى هو المراد في الإمامة ونحن إذا اشترطنا في الإمام أن يكون تعيينه من قبل الله تعالى، كان ذلك اعترافا ً منا بنظرية الفيض الإلهي.
أليست جميع هذه الكمالات التي نشترطها في الإمام فيضا ً من فيض الله، ونفحة من رحمته، أليس الإمام قبسا ً من نور الله يهتدي به الضالون، وأي فائدة لإمامته إذا فقدت منه هذه الخاصة.
وكأن الدكتور يفهم من الفيض الإلهي ، أو القبس الإلهي معنى الحلول أو معنى الاتحاد اللذين تنكرهما الشيعة وتكفّر من يعتقد بهما، والدكتور يريد أن يكون حراً في التفسير كما هو حر في الرأي، وإن كانت الحرية في التفسير محرمة على الناقد النزيه.
منعتنا الأدلة العقلية المتقدمة أن نصدق نظرية الاختيار في الإمامة، وأحالت ان يكون للأمة حق في تعيين الإمام.
والقرآن ... ماذا يقول لنا القرآن في ذلك، وهل أهمل القرآن حكم الإمامة، كما أهمل النبي أمر الإمام، وهو الذي يأمر الناس بالوصية حتى بأبسط الأشياء.
ماذا يقول القرآن في أمر الإمامة.
ألم يجعلها الله عهدا ً له في خطابه لإبراهيم، ألا تسمعه حين يقول :} وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما ً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين { (1) الإمامة عهد الله فلا يتولاه أحد إلا بأمره، والإمام أمين الله على هذا العهد فلا
أحد سواه.
(1) سورة البقرة آية 124.
وفي الآية الكريمة نظرات تتعلق بالإمامة يذكرها المفسرون والمتكلمون ويشير إليها أهل علم الحديث.
الإمامة عهد الله، والإمام ولي ذلك العهد، هكذا يقول لنا القرآن، وأي بيان أجمع لشرائط الإمامة من هذا التعبير.
هل يمكن أن يعين الله لعهده من لا يؤمن عثاره من الناس، أو من يجوز عليه أن يغير شيئا ً من الأحكام أليس هذا من التناقض الصريح، وإذن فالإمام معصوم يستحيل عليه الخطأ.
وهل يجوز أن يأتمن على الأمة من لا يفي بحاجتها من العلم، ولا يقوم بتسديدها في العمل، أليس هذا مفتاحا ً للطعن في حكمته، وللتشكيك في عهده؛ وإذن فالإمام أعلم الأمة وأتقاها، وأشدها صلة بالله.
والآية الكريمة تجري في هذا البيان على نهج مألوف بين الناس فإن الملوك طالما سمت الولاية من بعدها عهدا ً، وسمّت خلفاءها أولياء ذلك العهد، أفتريد في أمر الإمامة أوضح من هذا التعبير.
وقوله تعالى: } أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون{ (1) وهذه الآية الكريمة تفرض علينا وجود شرطين في الشخص الذي نتبعه.
1- أن يهدي إلى الحق، فلا بد أن يكون عالما ً بالحق ظاهره ومستوره.
2- أن لا يكون محتاجا ً في هداية نفسه إلى إرشاد غيره وهذا هو معنى العصمة، والتسديد الإلهي، وهذان هما الشرطان الأساسيان في الإمامة، اللذان أثبتهما الأدلة المتقدمة.
لم يهمل القرآن أمر الإمامة، ولم يهمل النبي أمر الوصية، ولكن الأمة تقول أنهما أهملا ذلك، والتأريخ يساعد الأمة على ما تقول، لأنه كتب بكف من أكف الأمة، وهل أن يخالف التاريخ عقيدة المؤرخ، وأرجو أن يكون اجتهاد أكابر الأمة خير عاذر لهم عن هذا القول الذي كان بذرة للخلاف بين المسلمين.
ما معنى إذهاب الرجس عن أهل البيت الذي شهد به القرآن، وما معنى التطهير الذي حصره بهم دون غيرهم، أليس هذا شهادة بالعصمة؛ وترشيحا ً للإمامة.
(1) سورة يونس آية34.
وما معنى هذا التقارن التام بين الثقلين الذي يشهد به النبي الأمين في حديث الثقلين
حين يقول: (( لن يفترقا حتى يردا علي الحوض))، ويقول: (( ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا))، أليست هذه وصية بالإتباع وشهادة بالعصمة.
وحديث الثقلين مستفيض بين علماء الحديث، وقد رواه نيّف وعشرون صحابيا ً على ما يقول ابن حجر في الصواعق المحرقة.
العترة والكتاب ثقلان مقترنان، والتمسك بهما حافظ للأمة عن الوقوع في ضلال، والعترة لا تفارق الكتاب حتى يردا على النبي الحوض.
فإذا كان الكتاب معصوما ً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا بد أن تكون العترة نظيرة في ذلك، لأنهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، فلو كانت العترة غير معصومة جاز عليها أن تخطئ فتفارق الكتاب.
وإذا كان الكتاب محيطا ً بعلم كل سيء، وفيه تبيان كل شيء لأنه يقول: } ما فرطنا في الكتاب من شيء{ (1) فلا بد أن يكون الثقل الثاني مثله في هذه الإحاطة، لأنهما لن يفترقا أبدا ً حتى يردا عليه الحوض.
وإذا كان الكتاب خالدا ً إلى اليوم الأخير لأنه نظام الشريعة الخالدة، ولن تجد لسنة الله تبديلا ً، فلا بد أن يكون قرينه من العترة باقيا ً إلى اليوم الأخير أيضا ً لأنهما لن يفترقا حتى يردا على النبي الحوض.
هذا ما يقوله النبي وآلهr في هذا الحديث، ولكن الأمة تقول أن النبي أهمل الوصية، والتأريخ يساعد الأمة على ما تقول.
ولست أريد أن أمضي مع الحديث إلى حد بعيد، وأتعقب هذه النتائج التي يلقيها النبي الأمين، ولست أريد أن أكرر قائمة أسماء الأئمة من أهل البيت، قرناء الكتاب وأمناء الرسول، فإن لها كتبا ً أخرى وضعت في علم الكلام ومباحث العقائد.
ولكني أريد أن أقول: أن المهدي صفة لخاتم هؤلاء الأمناء الذين شهد لهم الكتاب بالتطهير، وجعلهم النبي وآلهr قرناء للكتاب، فلا بد أن يكون موجودا ً لأن العترة والكتاب لا يفترقان حتى يردا على النبي الحوض، وليكن بعد ذلك ظاهرا ً أو مستورا ً.
هؤلاء الأئمة من أهل البيت في رأي الكتاب، وهؤلاء هم نجوم الاهتداء في رأي السنة،
(1) سورة الأنعام آية 38.
وهؤلاء هم رجال العترة في رأي النبي الأمين حين يخلفهم في الأمة، وحين يضمن للأمة عدم الضلال إذا تمسكت برشدهم.
أما أئمة أهل البيت في التاريخ فقد ذكرت لنا كتب الرجال والتراجم من عموم المسلمين، أنهم العابدون الزاهدون الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وأما هؤلاء الأئمة في رأي محمد بن إدريس الشافعي فإنه يقول:
|
ولما رأيت
الناس قد ذهبت بهم |
|
مذاهبهم في
أبحر الغي والجهل |
|
ركبت على اسم
الله في سفن النجا |
|
وهم أهل بيت
المصطفى خاتم الرسل |
|
وأمسكت حبل
الله وهو ولائهم |
|
كما قد أمرنا
بالتمسك بالحبل |
وأما هؤلاء الأئمة في رأي الدكتور أحمد أمين فإنهم (( يختفون عن الأعين ويرتكبون ما يرتكبون من الإثم )) وأن المأمون قد ولّى عليا ً الرضا من بعده (( ليظهر للناس أن هؤلاء يعيشون على الوهم والخداع)) (1) أنظر بربك انظر ثم احكم إن استطعت الحكومة...
من الحق أن أمسك عن التعليق هنا، فإن الذي لا يبالي بما يقول يسهل عليه أن يقول كل شيء، ولو طالبنا الدكتور ببينة ما يقول لأحرجناه أشد الحرج.
ليرتكب الأئمة الإسماعيليون ما يرتكبون من الإثم وليُدَوِّن التاريخ لهم كثيرا ً من الجرائم، وكثيرا ً من البذخ والاستيثار، وليرتكب الدعاة الفاطميون والقرامطة أمثال ذلك وأضعافه.
ليفرض جميع ذلك فهل يصح لعاقل أن يجعل هذا دليلا ً على أن الأئمة من أهل البيت يرتكبون الإثم، ويعيشون على الخداع.
هذه أقيسَة الدكتور التي يقيس بها الرجال، وهذه موازينه التي يستنتج بها التاريخ.
من الحق أن أمسك فقد أوعدت أن لا أعلق شيئا ً على هذا، وإن سيرة الإمام علي الرضا، وسيرة الأئمة من آبائه وأبنائه التي يرويها الـتأريخ كفيلة برد هذا العدوان.
ولعل في ارتكاب الأئمة الإسماعيليين وظلمهم دليل جديد على عصمة الأئمة الإثني عشر وتسديدهم، لأن العصمة لم تدع لأحد من الناس غير هذين الفريقين، فإذا وجب وجود
(1) أنظر صحيفة 61 من كتاب المهدي والمهدوية.
الإمام المعصوم بحكم البرهان ودلالة القرآن وإذا انتفت العصمة من الإسماعيليين لأنهم يرتكبون الآثام ثبتت للفريق الآخر لأن غير هذين الفريقين ليس معصوما ً بالإجماع.
وقد تكرر في جوامع الحديث ذكر الخلفاء الإثني عشر من قريش، وفي الصحيحين عدد غير قليل من هذه الأحاديث أيضا ً، كقوله وآله rفي صحيح مسلم: (( لا يزال هذا الدين قائما ً حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة...كلهم من قريش)) وفي صحيح البخاري (( يكون بعدي اثنا عشر أميرا ً، وقال كلهم من قريش )).
والمتتبع يرى ارتباكا ً شديدا ً بين شراح السنة وفي شرح هذه الأخبار، وفي تطبيق هؤلاء الخلفاء الإثني عشر وربما التجأ بعض الشراح إلى إدخال يزيد المستهتر، والوليد الفاجر في ضمن هؤلاء الخلفاء الذين يكون الدين عزيزا ً على عهدهم على ما في بعض حمل الحديث.
وهذا الباب الطويل الذي يعقده علماء الحديث في أن الأئمة من قريش، وهذه الروايات الكثيرة التي تكرر هذا القول، طالما وقف النقاد أيضا ً عندها فطال منهم الوقوف، ما معنى اختصاص الإمامة بقريش إذا حصل غير القرشي على ثقة المسلمين، وعلى العصبية التي يشترطها ابن خلدون في الملك، وما معنى تدخل الحديث في تعيين الإمام ‘ذا كان اختياره من حقوق الأمة وحدها، وما معنى تمسك المهاجرين يوم الخلافة ببعض النصوص لحرمان الأنصار.
أليست هذه المميزات تحويرا ً في معنى الاختيار، أليست هذه النصوص توضح للأمة أن وجه المصلحة قد يخفى عليها.
يعين النبي الإمامة في المهاجرين دون الأنصار، وفي قريش دون سائر المسلمين، ليرفع الاختلاف من الأمة على قريش، ثم لا يهمه أن يقع الاختلاف بين المهاجرين من قريش بعد هذا الترشيح، وهذا الإغراء، وقريش التي لم تخضع للإسلام إلا بعد عناء وبلاء، والأمة هي الأمة في مذاهبها وآرائها، ونبي المسلمين هو نبيهم في عطفه ورأفته عليهم، وموقف الموتورين من قبل الإسلام وهو موقفهم في غموضه واضطرابه.
لم يهمل النبي أمر الوصية، ولكن الأمة تقول أنه قد أهمل والتاريخ يساعدها على ما تقول، لأنه كتب بكفّ من أكفّ الأمة.
ترك النبي خليفتين لا يفترقا حتى يردا عليه الحوض وشهد القرآن لكل واحد من هذين الخليفتين بالعصمة والتسديد، وهذا هو المبدأ الحقيقي لفكرة المهدي.
فكرة المهدي نشأت من القول بضرورة وجود إمام معصوم في كل جيل حافظ للشريعة، وقرين للكتاب.
وفي الخاتمة من سجل الخلفاء الإثني عشر، وفي العدد الأخير من قائمة أسمائهم يقع اسم الإمام المهدي المنتظر.
وإذا حتم الدليل وجوده وبقائه لأنه الفرد الأخير من قرناء الكتاب، وإذا أثبت القرآن عصمته وإمامته لأن البقية الباقية من أهل آية التطهير، فليكن مستورا ً إذا أوجبت عليه الظروف أن يستتر، فإن الاختفاء لا يضر بشأن من شؤونه، إذا كان غيره سبب هذا الاختفاء، كما لا يضر بالشمس سترها من وراء السحاب.