مع الدكتور أحمد أمين
في
حديث المهدي والمهدوية
المفكر الإسلامي
آية الله العظمى الشيخ محمد أمين زين الدين
( قدس سره )
مع الناقدين
لبست فكرة المهدي أشكالا ً متنوعة من البحث، ومرت عليها ألوان مختلفة من الجرح والتعديل، وأولاها الباحثون على اختلافهم مزيدا ً من الاهتمام؛ وكثيرا ً من العناية، تفنن الناقدون لها في النقد، والمؤيدون لها في التأييد ، واستخدموا في نقدها وفي تأييدها الأدب المنظوم والمنثور وإن أساء الأدب كثير من أولئك في نقدهم، فكان من الضروري أن يقابلهم هؤلاء بالمثل.
ولو جمعت هذه المناقضات لكانت مجموعة نادرة من وحي التناقض في العقيدة يضحك لها الأدب، ويأسف لها الإسلام ويبكي لها نبي الإسلام.
وفي آخر من جاء من نقاد هذه الفكرة سعادة الدكتور أحمد أمين، والدكتور مؤلف كبير حين يكتب في التأريخ، وهو أديب ماهر حين يترجم أو ينقل، إذا كان في الترجمة والنقل ما يسمى أدبا ً، ولكن الدكتور يفقد معنويته حين يحاول أن يكون من الناقدين.
هذا ما توسمته في الدكتور أول يوم رأيته فيه ناقدا ً وقد ضمنت لي القراءات المتتابعة صحة هذا التوسم، وكأن الدكتور تعوزه الحاسة الدقيقة التي تعين له المفصل من الرأي ليوقع الضربة الفاصلة، وهذا أهم ما يحتاج إليه الناقدون.
والحق أني لم ألق كبير عناء في نقد آراء الأستاذ في كتاب المهدي والمهدوية؛ لأن مواضع الخلل فيها ظاهرة جدا ً، وقد رأى القارئ كثيرا ً من هذه الآراء في الأبحاث المتقدمة؛ وعلم مبلغها من العلم، وسيقف على البقية منها في بقية الكتاب.
ونحن يمكننا أن نصنف النقود التي يذكرها الدكتور إلى صنفين:
الصنف الأول النقود التي تتعلق بنفس الفكرة.
الصنف الثاني النقود التي تتعلق بشؤون الفكرة؛ وأدوارها في التأريخ والمذاهب، والصنف الأول هو الذي عقدنا له هذا الفصل، وسيكون الصنف الثاني موضوع بحثنا الآتي.
يشيد الأستاذ بذكر العقل، ويؤمن بحكومته أشد الإيمان، ويجعل له الحكومة الفاضلة في رد الحديث ونقده ويدعوا إلى تحكيمه في فكرة المهدي، وفي الأحاديث التي نقلت في المهدي؛ وهو بهذه الفكرة من المنصفين، ونحن نرحب بقوله هذا ونؤيده أتم التأييد، على أن يكون معنى العقل الذي تجعل له الحكومة هو البرهان الصحيح الذي لا ينتفض ولا يمكن أن تتخلف له نتيجة.
ولذلك وجب علينا تأويل كل آية دلت بظاهرها على تجسيم الله، وتشبيهه حين قام البرهان العقلي على استحالة ذلك، ونبذنا كل رواية ناقضت هذه العقيدة وإن كانت مروية في الصحيحين.
ولذلك أيضاً أوّلنا كل رواية أو حديث دل على نفي العصمة عن الأنبياء والأئمة، ورددنا كل حديث لا يمكن فيه التأويل حين اضطرنا البرهان إلى القول بعصمتهم.
والسر في ذلك أن البرهان يقيني، ونتيجته لا تقبل التشكيك، ولا يمكن فيها الانتقاض، ولا قيمة للدليل إذا كان اليقين على خِلافه لأنه يكون معلوم الكذب، أما الآيات فيجب تأويلها لأنها لا تخالف المعقول، وهذا شيء لا أظن أن يقع فيه خلاف من أحد.
أما إذا فسر العقلي الذي يدعونا الدكتور إلى تحكيمه بمشتهيات النفوس، وموافقة الميول، فلا يؤمن بحكمه منصف ولا يلتفت إليه عاقل، لأن هذه الميول متنوعة مختلفة، وليس نفس ميولها ومألوفاتها، ومن الجور أن نطلب من الدليل الواحد أن يوافق جميع هذه الميول، وتخصيص ميول الدكتور دون غيره استيثار يمنعه هو في كتابه الأخلاق.
من المضحك جداً أن نجعل موافقة الميول والمألوفات ميزانا ً في جرح الأخبار وتعديلها، والدكتور حين يدعونا إلى ذلك فهو يذكرنا عهد الطفولة الحبيب، حين كنا ننكر كل خبر يخالف مألوفاتنا، لا يعقل أن يكون في الدنيا ماء أُجاج، لأن الفرات يفيض بالماء العذب.
وكيف يعقل أن يتطاير الماء شررا ً إذا تلاطمت أمواجه في الوقت المظلم.
وكيف يعقل أن يجري الماء على اتجاهين متعاكسين ثم يزيد ولا ينقص إلا في أيام الزيادة.
إذن فكل ما يُحدثنا به أصدقاؤنا من أخبار البحر المالح وأمواجه المتلاطمة في الليل، وعن المد والجزر فيه باطل لأنه يخالف المعقول.
بهذا الميزان كنا ننقد الأخبار، فهل يطلب الدكتور تجديد ذلك العهد والعودة إلى هذه المقاييس.
وأتذكَر أن بعض أصدقائنا قد احتفظ بهذه المقاييس الجميلة حتى تجاوز الأربعين فهو يقول عن الهاتف( التليفون) هو آلة سحرية، لأنه يستحيل أن ينتقل الكلام من مكان إلى مكان بواسطة سلك غير أجوف.
ولما أخبرناه عن المذياع ضحك من عقولنا كثيرا ً وقال هو أشد استحالة من الهاتف لأنكم تقولون أنه بغير سلك، والهاتف والمذياع والحاكي، وكل ما يشبه هذه الآلات سحر من عمل ساحر واحد ولكنكم لا تفقهون.
من المضحك جدا ً أن نحكم هذه المقاييس الناشئة من ضيق النظر وقلة الإحاطة من المضحك جدا ً أن نحكمها في أخبار الثقاة المأمونين، أو العقائد التي يؤسسها البرهان وإذن فلنستعرض النقود التي يوجهها الأستاذ إلى فكرة المهدي ليتضح لنا مخالفة الفكرة للعقل.
أحاديث المهدي تخالف العقل فيلزم ردها لأن هذه الفكرة تبتني:
1- على عصمة الإمام؛ وأيُّ إمام معصوم.
وهذا نقد يوجهه الأستاذ إلى القرآن الذي شرط العصمة في الإمام، وشهد للأئمة من أهل البيت بالتطهير، وإذهاب الرجس، وإلى حديث الثقلين وأمثاله من صحيح السنة، وقد أسلفنا الكلام على ذلك فلا نعيده.
2- يعيش مئات السنين.
وهذا نقد ثانٍ يوجهه الدكتور إلى القرآن أيضا ً، لأنه يخبر عما يخالف الطبيعة في عمر نوح النبي فيقول: } ولقد أرسلنا نوحا ً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون{ (1)، ولم يحدثنا عن عمره قبل أن يُرسَل نبيا ً، وكم بلغ عمره بعد الطوفان إلى حين وفاته.
ويخبرنا أيضا ً عما يخالف المألوف في عمر إبليس، لأنه ينبئ عن وجوده قبل خلق الإنسان الأول، ويقول عنه أنه}من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم { (2).
ويخبرنا بنظير ذلك عن المسيح أيضا ً، لأنه يقول: }وما قتلوه يقينا ً، بل رفعه الله غليه وكان الله عزيزا ً حكيما ً وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ً{ (3) .
لابد أن يؤمن جميع أهل الكتاب بالمسيح قبل موته وإذن فالمسيح لم يمت ولم يقتل والآية الأخرى : }إني متوفيك ورافعك إليّ{ (4) تجري على ضرب من المجاز والتشبيه.
(1) سورة العنكبوت آية 14. (2) سورة الحجر الآيات 37،38.
(3) سورة النساء الآيات 157،158،159. (4) سورة آل عمران آية 55.
وفي الأحاديث والتأريخ قصص نادرة للمعمرين، والأستاذ قد قرأها مرارا ً لأنه من المؤرخين.
وقصة لقمان بن عاد الذي عاش عمر سبعة نسور معروفة عند المؤرخين، وقول العرب: طال الأبد على لبد من الأمثال السائرة عندهم، وكذلك قول النابغة:
أخي عليها الذي أخنى على لبد
ولبد هو آخر النسور السبعة التي عاش عمرها لقمان هذا، وفيه يقول الأعشى:
|
وأنت الذي
ألهيت قيلا ً بكأسه |
|
ولقمان إذ
خبرت لقمان في العمر |
|
لنفسك إذ
تختار سبعة أنسر |
إذا مضى نسر
خلوت إلى نسر |
|
|
فعمر حتى خال
إن نسوره |
|
خلود وهل
تبقى النفوس على الدهر |
|
وقال
لأدناهنّ إذ حلّ ريشه |
|
هلكت وأهلكت
ابن عاد وما تدري |
وفيه يقول لبيد:
|
وقلد جرى لبد
فأدرك جريه |
|
ريب المنون
وكان غير مثقل |
|
لما رأى لبد
النسور تطايرت |
|
رفع القوادم
كالفقير الأعزل |
|
من تحته
لقمان يرجو نهضة |
|
ولقد يرى
لقمان أن لا يأتلي |
وناهيك بعمر سبعة نسور، والنسر من أطول الحيوانات عمرا ً وأقلّ ما قاله المؤرخون عن لقمان هذا أنه قد بلغ خمسمائة وستّين سنة وقيل أضعاف ذلك.
وقول المؤرخين عن قس بن ساعدة الأيادي أنّه عاش سبعمائة سنة معروف وقيل أقل من ذلك.
والذين عاشوا بين الثلاثمائة والأربعمائة كثيرون في التاريخ. فمن هؤلاء الربيع بن ضبيع الفراري الذي يقول:
|
أصبح منّي
الشباب قد حسرا |
|
إن ينأ عني
فقد ثوى عصرا |
|
ها أنا ذا
آمل الخلود وقد |
|
أدرك عقلي
ومولدي حجرا(1) |
وهو الذي يقول لعبد الملك بن مروان في أيام خلافته عشت مائتي سنة في فترة عيسىu، وعشرين ومائة في الجاهلية، وستّين في الإسلام وقصته معروفة.
ومنهم دويد بن زيد بن نهد الذي يقول:
|
ألقى عليّ
الدهر رجلا ً ويدا ً |
|
والدهر ما
أصلح يوما ً أفسدا |
يـصـلـح مـا أفـسـده الـيـوم غـدا ً
وقد بلغ من العمر أربعمائة وستا ً وخمسين سنة على ما يذكره المؤرّخون(1).
ومنهم عبد المسيح بن بقلة الغساني الذي يقول:
|
حلبت الدهر
أشطره حياتي |
|
ونلت من
المنى فوق المزيد |
|
وكافحت
الأمور وكافحتني |
|
ولم أحفل
بمعضلة كؤود |
|
وكدت أنال في
الشرف الثريا |
|
ولكن لا سبيل
إلى الخلود |
وقد عاش ثلاثمائة وخمسين عاما ً(2).
ومنهم أكثم بن صيفي بن رباح الأسدي أحد حكّام العرب المشهورين وقد عاش ثلاثمائة وثمانين سنة، ومنهم الحارث بن مضاض الجرهمي الذي يقول:
(1) أنظر ص 171 من أمالي السيد المرتضى.
(2) أنظر ص 188 من المصدر المتقدم.
|
كأن لم يكن
بين الحجون إلى الصفا |
|
أنيس ولم
يسمر بمكّة سامر |
|
بلى نحن كنّا
أهلنا فأبادنا |
|
صروف الليالي
والجدود العواثر |
وقد عاش أربعمائة سنة، ومنهم عمرو بن جمعة الدوسي الذي يقول:
|
ثلاث مئين قد
مررن كواملا ً |
|
وها أنا هذا
أرتجي مر أربع |
|
فأصبحت مثل
النسر طارت فراخه |
|
إذا رام
تطايرا ً يقال له قع |
|
أخبر أخبار
القرون التي مضت |
|
ولابد يوما ً
أن يطار بمصرعي |
وقد بلغ ما يرجوه فقد مرّت عليه أربعمائة سنة على ما يقول بعض المؤرّخين، ويقول بعضهم أن هذه الأبيات لعامر بن الظرب العدواني وقد بلغ الثلاثمائة.
ومنهم المستوغر عمر بن ربيعة بن كعب الذي يقول:
|
ولقد سئمت من
الحياة وطولها |
|
وعمرت من عدد
السنين مئيتا |
|
مئة أتت من
بعدها مئتان لي |
|
وازددت من
عدد الشهور سنينا ً |
|
هل قد بقي
إلا ّ كما قد فاتنا |
|
يوم يكر
وليلة تحدونا |
وقد بلغ من العمر ثلاثمائة وعشرين عاما ً وقيل أكثر من ذلك(1).
وما أكثر المعمرين في التاريخ، وقد قرأ الدكتور أخبارهم مرارا ً لأنه من المؤرخين والأحاديث عن عمر الرجال مثبتة في الصحاح من جوامع الحديث، وقد روى مسلم بعض هذه الأحاديث في كتاب الفتن من صحيحه، وأحاديث الخضر مشهورة بين المسلمين وإن ظهر التشكيك فيها من الدكتور في ص112 من كتاب المهدي والمهدوية.
(1) ص169 من نفس المصدر.
هذا حكم القرآن والتأريخ في نقض رأي الأستاذ الجليل، أما العلم الحديث فقد أثبت امكان تعمير الإنسان ألوفا ً من السنين كما تعمّر الأشجار، وقد أجرى العلماء تجارب كثيرة لتحقيق هذه النتيجة، وقد أثبتت التجارب صحتها، فقد بقيت أجزاء الحيوان بعد انفصالها حية نامية واستمرت على حياتها ونموها مدة طويلة من السنين، لا تصل إليها بحسب العادة، وكانوا يتعاهدون هذه الأجزاء بالأغذية المناسبة، وأجريت نظائر هذه التجارب في أعضاء الإنسان وقلبه، وكليته، فكانت حية نامية ما دام الغذاء موفورا ً لها.
وفي مجلة المقتطف كلمة مفصلة عن هذه التجارب، وهذه النتيجة يجدها القارئ في العدد الثالث من سنتها التاسعة والخمسين.
وبعد هذا فهل الدكتور الجليل لا يزال مصرا ً على أن طول العمر شيء يخالف العقل وهل تصدق معي أن الدكتور في رأيه هذا يحيلنا إلى مقاييس الأطفال، وإن بلغ ما بلغ من العلم، ورحم الله ذلك الصديق القديم.
يقول الأستاذ:
3- وأصبح لا يجوز على العقول غمام مختلف.
وهذا نوع جديد من انقد، يؤسسه الأستاذ على رأي جديد في الإمامة، يضيف إلى شرائط الإمامة شرطا ً جديدا ً لم يقل به أحد من المسلمين، ويفرض هذا الشرط فرضا ً على جميع العقول، ثم يؤسس نقده على هذا الرأي المفروض.
يشترط الدكتور في الإمام أن يكون ظاهرا ً غير مستور ويرى أن هذا الحكم يجب أن يكون إجماعيا ً تخضع له جميع العقول لأن الذي يفرضه هو الدكتور أحمد أمين، ولذلك كان الاختفاء من الإمام مخلا ً بإمامته، وأصبح لا يجوز على العقول إمام مختف، وما أجدرنا بالسكوت عن أمثال هذه الأقيسة لو لم يكن الكاتب هو الدكتور أحمد أمين، والدكتور من الأدباء النابهين الذين يحسب النشء لآرائهم ألف حساب والذين يستقون من علمه في العراق وفي الأقطار العربية والمسلمة أضعاف تلاميذه في مصر ومن لهؤلاء القرّاء المتفاوتين في المدارك أن يعلموا أن الأستاذ يتجنى على الشيعة في هذا النقد ويجني على العقول بهذا الفرض والأستاذ نفسه يعترف بأنه ليس من المعصومين، يحاول الدكتور أن يجعل شرائط الإمامة أعظم من شرائط النبوة فهل سمعت بأعجب من هذا وقد قلت أن الأستاذ يفقد معنويته إذا حاول أن يكون من الناقدين فكيف إذا حاول أن يكون مبتكرا ً وناقدا ً في وقت واحد.
الإمامة نيابة عامة عن النبوة فلا يعقل أن تكون شرائطها أعظم من شرائط النبوة، ولم يذهب إلى هذا أحد من المسلمين، والشيعة الذين يقولون أن الإمامة منصب إلهي لا يشترطون في الإمام أكثر مما يشترطون في النبي والأستاذ يعلم ذلك جيدا ً لأنه مؤرخ كبير، والمذاهب والآراء تشكل جزءً مهما ً من أجزاء التأريخ.
وبعد فلماذا لا يجوز للإمام أن يختفي إذا قضت المصلحة له بالاختفاء كما جاز للأنبياء أن تحتجب إذا أوجبت المصلحة عليهم الاحتجاب.
وقد حدثنا القرآن عن غيبة موسى عن قومه أربعين ليلة، واحتجاب يونس مدة اختلف فيها المفسرون، وقرأنا في سيرة النبي اختفائه في الغار ثلاثة أيام وقبله في الشعب ثلاث سنين، وحدثنا التاريخ عن الأنبياء السابقين بأمثال ذلك، وقد يفرق الأستاذ في الغيبة بين طول المدة وقصرها، وهذه التفرقة لا ينبغي أن يفكر بها الأستاذ إذا كان السبب للغيبة هو اقتضاء المصلحة، والمصلحة التي تكون سببا ً للاحتجاب مدة قصيرة قد تكون سببا ً للاحتجاب مدة طويلة، وقد سمعنا حديث القرآن عن غيبة المسيح، وغيبة المسيح هذه تزيد على غيبة المهدي بتسعة قرون.
ولماذا لا يجوز للإمام أن يحتجب إذا ألجأته الأمة إلى الاحتجاب بنفسه، كما ألجأت آبائه إلى الاحتجاب بمذهبهم.
لماذا لا يجوز له أن يحتجب حقنا ً لدمه أن يطل، وحفظا ً لدعوته أن تستأصل.
وأي عقل يحرم عليه الفرار من ظلم الظالمين وجور الجائرين.
ولأي سبب معقول يحرم عليه تأجيل دعوته إلى غد إذا استحال عليه أن يبلغها اليوم.
العقول تحرم على المظلوم أن يقدم نفسه لقمة سائغة لأعدائه يستبيحون دمه ويستحلون حرمته.
والعقول تحتم على صاحب المبدأ أن ينتظر الفرصة المناسبة لنشر مبدئه وبث دعوته، بهذا تحكم العقول أيها الأستاذ، وعلى هذا تتفق.
وكلنا نعلم ما لقي أهل البيت من الجور والتشريد، وما لقي أتباعهم من القتل والتعذيب، ألا يكون هذا مسوغا ً لبقية العترة أن يحتجب حقنا ً لدمه الحاضر؛ وتمهيدا ً لدعوته في المستقبل، على أن كل نهضة يجب أن يتقدمها تجمع، وكل ثورة يجب أن يسبقها سكون، وقد علمنا أن الأسد يتحفز ثم يثب، وإن البركان يتجمع ثم يثور، هذه سنّة الطبيعة، وهذه سنّة العقول أيضا ً ولن تجد لسنة الله تبديلا ً، وكلما ازدادت الحركة أهمية، وكلما كبرت النهضة شأنا ً، وجب أن يكون التريث قبلها أكثر، وأن يكون التجمع لها أشد، فكيف كان الناهض يريد أن يملأ الأرض عدلا ً بعد ما ملئت جورا ً، وهل يمكن هذا إلا بعد رقي البشر في معارفهم وعلومهم، وهذا يحتاج إلى مضي أزمان، لا بد للناهض أن ينتظر الوقت المناسب لنهضته، ولا بد للدكتور أن يصدق بهذه الفكرة، لأني أعلم أنه من المتفائلين للعالم بالصلاح وهل يحيل على العالم أن يصل إلى الذروة في العدل الخلقي كما وصل على الذروة في العلم المادي.
أنا أعيذ الدكتور من هذه النظرة لأنها نظرة المتشائمين.
4- يخرج في زمان قد حدد.
ولست أظلم الدكتور إذا قلت: أنه في نقده هذا لم يكن من المنصفين . لأن الشيعة لا تحدد زمانا ً لخروج إمامها الثاني عشر، وهي تكذّب قول من يدّعي التحديد لذلك الزمان، ولا تعتني باليازرجات وحساب الجمل وأمثالها؛ وكتبهم شاهدة على ما أقول.
ومن المضحك جدا ًما نقله الأستاذ عن ابن خلدون: أن بعض الناس- وهذا البعض من الشيعة بالطبع- كانوا يحسبون خروج الإمام بحساب الجمل، فيحددون زمان خروجه، فإذا جاء هذا الوقت ولم يخرج ادعوا أن هذا التاريخ تأريخ ولادته لا تاريخ خروجه.
فهل يسمح لي الدكتور أن أقول له: أن نقل هذه الحكايات من قلة التثبت، و إلا فأي فرد من أفراد الشيعة يشك في ولادة المهدي ليصح منه هذا القول، وإذن فهذا القول من التّهم التي يلصقها بالشيعة، ولست أريد أن أتعقب كل كلمة من هذا القبيل فإن للهزل كتبا ً أخرى، ولإحصاء الكذب أناس آخرين.
5- وهو في استثاره يحرك أتباعه ليزيلوا المظالم.
وهذا النقد أيضا ً يجب أن نضعه في القائمة السابقة التي افتريت على الشيعة، وبعد فهل صدقت معي أن الشيعة مظلومون حتى في نواحي التأريخ؛ لا تقول الشيعة أن الإمام يحرك أتباعه ليزيلوا المظالم، وهو يمدهم من وراء الغيب، ولو صح هذا لم يجرأ الدكتور أن يلصق بهم أمثال هذه التهم، ولكن الشيعة تقول وتبرهن على ما تقول أنه سيخرج عند أول فرصة ممكنة للخروج فيزيل المظالم؛ ويقيم العدل، ويطبق الشريعة بالمعنى الصحيح من التطبيق.
والدكتور يفترض عالما ً غير عالمنا المحسوس، وناسا ً غير ناسنا الموجودين فيقول: إنما الطريق الطبيعي هو ظهور مصلح اجتماعي يشعر الناس بالألم من الظلم، والطموح إلى العدل، فيضطهد ويعذب، ولا يزال أتباعه يكثرون، وكلما عذب أمام الناس ازدادت دعوته قبولا ً حتى يقوى فيزيل المظلمة أو المظالم التي دعا إلى إزالتها؛ ويحل الصالح محل الفاسد.
ولكن الأستاذ فإنه أن الأقوياء قد تستعمل مع المصلح طريقا ً أقصر من التعذيب فهل في استطاعة الدكتور أن يضمن للمصلح حياته من الأقوياء حتى يكثر أتباعه وينتشرون ويملأ الأرض قسطا ً وعدلا ً.
لست أظن أن الدكتور يجرأ على هذا الضمان.
هذه هي النقود التي يوجهها إلى فكرة المهدي. أما بقية الأشياء التي يعلقها على هذه الفكرة فلا أتعرض لها بشيء لأني لا أودّ أن أحطّ من قيمة أستاذ كبير.