آية الله السيد محمد تقي المدرسي

 

 

 

 

الوجيـز

 فـي أصـول العقائد

وأحكام التقليد والبلوغ

 



 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والسلام على خير المرسلين المصطفى محمد وآله الهداة المرضيين.

وبعد..

من أنا، من أين قدمت، وإلى أين أصير، ما هي مسؤوليتي تجاه نفسي والآخريـن؟ وعشرات من الأسئلة المصيرية تطرحها على الإنسان نفسه بين الحين والآخر ولا يجد الإجابة الوافية إلاّ عندما يستمع الى منادي الوحي، فإذا بفطرته تستجيب كما يستجيب الكبد الحرى لشربة مـاء فرات.

وكلّما ازداد وعياً بآيات الذكر، وما فسرتها من أحاديث النبي وأهل بيته عليه وعليهم السلام، كلّما ازداد عقله تفتحاً، وضميره سكينة، وروحه راحة.

وهكذا كانت نصوص الدين إثارات للعقل لكي ينفتح على العقائد الصحيحة، وتنبيهات للضمير لكي يستيقظ.

وثمة سنة حسنة كانت لفقهائنا السابقين، حيث كانوا يكتبون منظومة من العقائد الإسلامية قبل بيان الفروع الفقهية في أحكام الشريعة، ونحن نجري على تلك السنة الحسنة في هذا الجزء من سلسلة الوجيز في الفقه الإسلامي الذي يحتوي أيضاً على قسمين أساسيين في الفقه أحدهما؛ في أحكام البلوغ، والثاني؛ في الاجتهاد والتقليد.

ونسأل الله العلي القدير أن يتقبل هذا الكتاب، وينفع به المؤلف والقارئ معاً، ويجعل العمل بفروعه الفقهية مجزياً، ويثيب عليه أحسن الثواب في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء.

محمد تقي المدرسي

طهران

21/ جمادي الثاني/ 1423

 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

اُصول العقائـد

 



 

 

 

 

 

تمهيـد

لماذا علينا أن ندرس العقائد ونؤمن بها عن وعي وبصيرة ومعرفة؟

لأن العقائد تبين مبدأ الإنسان ومصيره وخط سيره في الحياة الأولى والآخرة، ومن لا يدرس العقائد ببصيرة، قد يحسب أنه على صراط النجاة، بينما هو على طريق الشقاء في الدنيا وسبيل النار في الآخرة فيخسر نفسه في الدارين، ومن هو أشقى ممن خسر نفسه في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ]قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالاَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[ (الكهف/103-104)

ولدراسة العقائد ثلاثة مناهج مختلفة:

1- منهج الفلسفة، ويعتمد على المنطق الأرسطي وفلسفة الاغريـق الإلهيين وعلم الكلام الإسلامي المقتبس منهما. ودراسة العقائد وفق هذا المنهج استعارة ناشزة للقالب الفلسفي في عرض العقائد الإسلامية حيث تتلوث بتصورات البشر الوثنية، بينما الإسلام مبدء حنفي جديد على الإنسان، موحى إليه من الغيب، وله قالب يناسبه، وأي إقحام لمفاهيم الفلسفة ومناهجها وألفاظها في بنائه الفكري يشوّه صبغته ويخل بتوازنـه ويقضي على وحدته العضوية الداخلية. وقد نعت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أول من قام بهذه المحاولة الخاطئة في المسلمين بأنه "سامري هذه الأمة" ([1]) لأنه بدل عبادة الله الأحد بعبادة التوهمات الغريبة عندما أشاب نقاء الحنفية الإسلامية بوثنية الأغارقة المشركين.

2- منهج التصوف، وينبثق هذا المنهج من الإغراق في التقشف، ويعتبر الإنسان رمز الشرور والخطيئات الذاتية، ويرى أن فناء الإنسان في غياهب العدم والسلبيةهو المنهج الموصل الى الحقيقة. ونجد هذا التصور الخاطئ بارزاً في الفلسفة البرهمية والفلسفات الآسيوية البعيدة، وقد طرقت أبواب المسلمين في بداية القرن الثاني مع نشاط حركة الترجمة بين المسلمين.

وينكر هذا المنهج دور العقل في معرفة حقائق الكون، ويدعو الى السلبية ونبذ النظم الدينية والاكتفاء بالصفاء الروحي الذي يتحول شيئاً فشيئاً الى الإنطواء واللامبالاة. والواقع: إن ابتعاد هذا المنهج عن روح الإسلام هو كبعد الإسلام عن روح الجاهلية. ([2])

3- المنهج السليم في دراسة العقائد هو المنهج الذي يُستوحى من القرآن الحكيم ويقوم على أسس ثابتة من الفطرة السليمة والمتميزة عن دواعي الهوى والغضب. أما ميزات هذا المنهج القرآني فهي باختصار: إيقاظ الوعي، وإثارة العقل، والدعوة الى التدبر والتفكر، والتوجيه الى الانفتاح على الحياة لمعرفة أعماقها، وملامسة أغوارها ومخاطبة روحها النقية الخالصة. واسلوب الحديث في هذا المنهج: التذكرة والتنبيه والإبتعاد أبداً عن المراء والجدل والمكابرة على الحق.

وعلى المسلم أن يتبع هذا المنهج لمعرفة العقائد، لأن الإسلام لا يمكن فهمه إلاّ عبر الطريق الذي رسمه الباري عز وجل، فهو طريق قريب، واضح المعالم، بليغ البينات، منسجم الفطرة وضرورات الحياة..

ولذلك فإن منهجنا هنا، في عرض العقائد الإسلامية بايجاز، هو الاستلهام من القرآن الحكيم ومن السنة الشريفة الشارحة لـه، دون ان نحاول التأويل في آيات الذكر أو خلطها برواسب الثقافات الغريبة.


 

 

الفصل الأول: عن التوحيد

 

 

التوحيد في القرآن الكريم

لا تستطيع الخروج من ظلمة الشرك لو لم تخرج من سجن الذات، ومعتقل هوى النفس. وإذا أنعمت النظر لرأيت جذر كل كفر وشرك وعصيان، حب النفس وهواها؛ بل وحتى الذي يعبد الأصنام أو الطغاة فانما يعبد هواه في صورة الطغاة، وشهواته في هيكل الأصنام. فاذا خرجت من حب الذات، وتحديت ظلمات الهوى، فانك تنطلق في رحاب التوحيد باذن الله، بلا قيود وبلا حدود. وبوابتك الى معرفة التوحيد سورة الاخلاص، التي تختصر بصائر الوحي في معرفة الرب ببضع كلمات:

]بِسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيمْ * قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[.

بالرغم من أن كلمة "أحد" مشتقة من "واحد" كما قالوا، إلا أنها أبلغ دلالة على معنى الوحدانية، وأنه سبحانه لا نظير له ولا شريك، ولا أعضاء فيه ولا أجزاء، لا في الواقع ولا في العقل والوهم سبحانه، وليس معنى الأحد والواحد أنه واحد من اثنين، أو أنه نوع من الأنواع، كلا.. إنه الواحد بلا عدد، الأحد بلا مثل ولا شبه.

وتتجلّى أحديّة الله في معرفة هيمنته الشاملة على كل شيء، وأنه الفعّال لما يريد، وأن له العبادة، وأن ما يُعبد من دونه ليس بشيء.

ومن مظاهر أحدية الله أنه "الصمد" وتشير الصمدية الى حقائق شتى تجمعها بصيرة واحدة، هي أن الله بلا أعضاء وأجزاء، ولا حالات تطرأ عليه سبحانه.

وصفة الصمدية تتجلى أيضاً في أنه لم يلد ولم يولد، إذ الولادة دليل إضافة جزء إليه لم يكن فيه أو انفصال جزء منه كان فيه، والصمد الذي لا أجزاء له لا يتصور فيه زيادة (بالتولد) ولا نقيصة (بالإيلاد).

وإذا اهتدينا الى أن الله صمدٌ لا جزء له، ولا تطور، ولا ولادة، فقد ارتفع الحجاب الأكبر الذي بيننا وبين الله، حجاب التشبيه الذي ينشأ من جهل الإنسان ونقص مداركه. فلأن الإنسان لا يرى إلاّ نفسه والمخلوقات، يقيس خالقه بنفسه طوراً، وبالكائنات أطواراً، غافلاً عن أن هذا القياس يتنافى والإعتقاد بالخالق أصلاً، إذ نقرأ في ختام سورة الاخلاص: ]وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[.

أكبـر شهـادة

قال الله سبحانه: ]قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْءَانُ لأُِنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ الِهَةً اُخْرَى قُل لآ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[ (الانعام/19)

تتلاحق الأحداث، وتترى الظواهر، وتجري سفينة الحياة في بحر عال الموج، عاصف الريح، ولكن وراء تلك الظواهر أنظمة حكيمة تمسكها، والله من وراء تلك الأنظمة يمسك زمامها ويوجهها؛ فالله هو غيب الكون – الذي لا يخلو منه مكان – وهو شاهدٌ على كل شيء، وحاضرٌ عند كل شيء، وكل شيء آية له، لأنه منه ومعه وإليه. فالله إذاً أكبر شهادة من أي شيء. إنه يدل على ذاته بذاته، ويدل على كل شيء؛ إنه يعطيك السمع والبصر والبصيرة، ويتجلى بآياته في مهرجان الحياة، حتى تعيش معه في كل لحظة ومع كل شيء. يبقى أنت الذي قد تغيب عن ربك (دون أن يغيب عنك)؛ إنه قريب المسافة، بينك وبينه لحظة الالتفات والتوجه. ولكي لا تغيب عنه، ولكي تتكامل ذاتك الى مستوى العيش مع ربك، أرسل الله الأنبياء وزودهم بالكتاب لينذرك، لأن الانذار أقرب الطرق الى قلب البشر.

آيات التوحيـد

قال الله سبحانه: ]وإِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمآءِ مِن مَآءٍ  فَاَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمآءِ وَالأَرْضِ لاَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ[ (البقرة/163-164).

إن هذه الآيات تدعونا الى التوجة الى الله وحده، ونبذ الأنداد من دونه. وهذه الدعوة تتصل بفطرة الانسان الراسخة في حب من أحسن إليه، ومن أعظم إحساناً علينا من الله سبحانه؟

ولكي يكرس القرآن الكريم هذه الفكرة، يوجهنا الى فطرتنا، ويأمرنا بالنظر الى آيات الله في السماء والأرض، خصوصاً تلك التي تعكس رحمة الله الواسعة والمستمرة، من اختلاف الليل والنهار، وجريان الفلك في البحر، ونزول الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وبث الدواب فيها، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب و.. و.. إن هذه الآيات ومئات غيرها تدل بوضوح على وحدانية الله عز وجل.

إله واحـد

وقال الله عز وجل: ]لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبـُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّماوَاتِ وَالاَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ[ (النحل/51-52)

الكافر يخضع لما هو خاضع لله؛ يخضع للشمس والقمر والنجوم، يخضع للأنوار والأشجار والأحجار، يخضع للثروة والقوة والدعاية. كلا، لماذا يَـرهب الإنسان جانب الطبيعة حتى يعبدها من دون الله، ولماذا يرهـب الطاغوت حتى يستسلم لـه؟

إن أكثر ما تتم العبادة من جانب البشر للأشياء، إنما تتم بسبب الهيبة والرهبة، ألا فلتسقط هيبة الطبيعة، ألا فلنرهب ربها وخالقها فقط.

وإذا تجاوزنا الخشية من الطبيعة، وتحررنا من رهبتها، أسلمنا الوجوه لرب العالمين، وخضعنا لحاكميته وسيادته القانونية وحده، وبالتالي لدينه الخالص.

كمال التوحيـد

قال الله سبحانـه: ]قَدْ كَانَتْ لَكُمْ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَآؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغَضآءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[ (الممتحنة/4)

لا يكتمل ايمان العبد بربه الأحد إلاّ إذا تبرأ من كل ما هو دون الله، فنبذ عبادة ما سوى الله، ورفض الخضوع لكل من يكفر بالله. فالتوحيد يكتمل بالكفر بالجبت والطاغوت..

فقد كان النبي ابراهيم عليه السلام يتيماً يحتاج الى الحماية الاجتماعية والاقتصادية، ولكنه لم يخضع لعمه آزر الذي كان يعبد الأصنام، طمعاً في توفير تلك الحماية، بل مضى قدماً على نهجه الحنيف في التمسك بالتوحيد ورفض ما سوى الله سبحانه. فلم يَتَحَدَّ الكفار اعتماداً على عمه ولا على قومه، بل تحدى قومه بدءاً من عمه، وتحدى كل الشرك بدءاً من قومه، فأصبح أسوة المؤمنين في تكميل ايمانهم بالله وتوحيدهم له برفض كل ما سواه. ([3])

التوحيد في السنة الشريفة

حق معرفـة الله

كيف تتحقق معرفتنا لله عز وجل؟ وكيف تكون معرفتنا حق المعرفة؟ ومتى يكون توحيدنا لله سبحانه خالصاً من كل شائبة؟ لنستمع الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجيب على من سأله قائلاً:

ما رأس العلم؟ فقال رسول الله: معرفة الله حق معرفته. قال السائل: وما حق معرفته؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: "أن تعرفه بلا مثال ولا شبه، وتعرفه إلهاً واحداً خالقاً قادراً أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، لا كفو له ولا مثل له. فذاك معرفة الله حق معرفته". ([4])

أدعـو الـى الله

في كل تطورات الحياة وتقلباتها يلمس الإنسان بكل وجوده آثار خلق الله وهيمنته وقدرته، فعندما يصيبه الضر يجأر إليه ويدعوه لكي يكشف عنه ضره فيتحسس قدرته اللامتناهية، وحين يواجه مكروباً يستعين بـه فيعينه الله سبحانه.. وهكذا في كل تحولات الحياة الأخرى.

أتى النبي صلى الله عليه وآله رجل من بني تميم يقال له أبو أمية، فقال: الى ما تدعو الناس يا محمد؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: "أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني، وأدعو الى من إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن استعنت به وأنت مكروب أعانك، وإن سألته وأنت مقل أغناك". ([5])

بِمَ عرفت ربك؟

إذا تدبر الإنسان في الخلق والخالق، عرف بفطرته تبايـن الخالق عن الخلق، فالمخلوق تحده الجهات، وله صورة مادية تُحس وتُلمس، ولـه قُرب وبُعد، ويتوالد بعضه من بعض، ويتداخل بعضه في بعض.. أما الخالق فليس يشبه خلقه في شيء من ذلك، سبحانه وتعالى عن كل ذلك علواً كبيراً.

فلقد سئل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: بمَ عرفت ربك؟ قال: "عرَّفني نفسه". قيل: وكيف عرَّفَك نفسه؟ قال: "لا يشبهه صورة، ولا يحس بالحواس، ولا يقاس بالناس. قريب في بعده، بعيد في قربه. فوق كل شيء ولا يقال شيء فوقه. أمام كل شيء ولا يقال لـه أمام. داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء. وخارج مـن الأشياء لا كشيء خارج من شيء. سبحان من هو هكذا، ولا هكذا غيره، ولكل شيء مبتدء". ([6])

نفي الصفات

إذا تفكرنا في الخلق وجدنا فيه صفات نقص وضعف فتتحول الى صفات كمال وقوة، ثم تعود الى النقص والضعف. فهو جاهل فيصبح عالماً بالتعلم، ثم يجهل بالنسيان والسهو، وهو عاجز فيصبح قادراً بالتمرس ثم يعجز بالمرض والشيخوخة، وهو صغير فيكبر ثم يعود متضائلاً صغيراً، وهو فقير فيستغني بالكسب أو غيره، ثم يعود فقيراً حين يخسر كل شيء، وهكذا.. ولكن هذه الصفات وتغيراتها لا تصدق بحق الخالق عز وجل إذ توحيده يعني نفي الصفات عنه، لأن طُرُوّ هذه الصفات وزوالها يدل على مصنوعية الشيء والله صانع وليس بمصنوع. لنستمع الى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام فهو يلقي علينا درساً بليغاً في التوحيد بقوله:

"أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده،و نظام توحيده نفي الصفات عنه، جلَّ أن تحله الصفات لشهادة العقول أنّ كل من حلّته الصفات مصنوع، وشهادة العقول أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع، فبصنع الله يستدل عليه،و بالعقول يعقد معرفته، وبالفكر تثبت حجته، جعل الخلق دليلاً عليه فكشف به عن ربوبيته، هو الواحد الفرد في أزليّته، لا شريك له في إلهيته، ولا ندَّ له في ربوبيته...". ([7])

ذلكم الله رب العالمين

جاء رجل الى الإمام الحسن بن علي عليهما السلام، فقال له: يابن رسول الله؛ صف لي ربك، حتى كأني أنظر إليه. فأطرق الإمام الحسن بن علي عليهما السلام ملياً، ثم رفع رأسه، فقال: الحمد لله الذي لم يكن لـه أول معلوم، ولا آخر متناه، ولا قبل مدرك، ولا بعد محدود، ولا أمد بـ (حتى)، ولا شخص فيتجزّأ، ولا اختلاف صفة فيتناهى. فلا تدرك العقول وأوهامها، ولا الفِكَر وخطراتها، ولا الألباب وأذهانها صفته فتقول: متى؟ ولا بُدئ مما، ولا ظاهر على ما، ولا باطن فيما، ولا تارك فهلا. خلق الخلق فكان بديئاً بديعاً؛ إبتدأ ما ابتدع، وابتدع ما ابتدأ، وفعل ما أراد، وأراد من استـزاد. ذلكم الله رب العالمين". ([8])

ما هو التوحيد؟

لا نحتاج للاجابة على هذا السؤال أن نلجأ للأبحاث الفلسفية والكلامية المعقدة التي قد لا تزيدنا من الله إلاّ بُعداً، فالسنة الشريفة هي أفضل مصدر لذلك، فهي توجهنا الى حقيقة التوحيد عبر إثارة عقولنا وهدايتنا الى فطرتنا السليمة، بعبارات وجدانية بسيطة وواضحة.. لنصغ الى عدد من الروايات في هذا المجال:

1- عن عبد العزيز بن المهتدي، قال: سألت الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن التوحيد، فقال: "كل من قرأ: قُلْ هُو الله أحَدْ وآمن بها فقد عرف التوحيد". ([9])

2- روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، أنه سأله رجل فقال له: إن أساس الدين التوحيد والعدل، وعلمه كثير، ولابد لعاقل منه، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه ويتهيأ حفظه.

فقال عليه السلام: "أما التوحيد فأن لا تجوِّز على ربك ما جاز عليك، وأما العدل فأن لا تنسب الى خالقك ما لامك عليه". ([10])

3- قام رجل الى الإمام الرضا عليه السلام فقال له: يابن رسول الله؛ صف لنا ربك، فان من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال الإمام الرضا عليه السلام: إنه من يصف ربه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل. اُعرِّفه بما عرَّف به نفسه من غير رؤية، وأصفه بما وصف به نفسه من غير صورة؛ لا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، ومتدان في بُعده لا بنظير، لا يُمثَّل بخليقته، ولا يجور في قضيته. الخلق الى ما علم منقادون، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماظون، ولا يعملون خلاف ما علم منهم، ولا غيره يريدون. فهو قريب غير ملتزق، وبعيد غير

متقص، يحقق ولا يمثل، ويوحد ولا يبغض، يُعرف بالآيات، ويثبت بالعلامات، فلا إله غيره، الكبير المتعال". ([11])

أدنى المعرفـة

ما هي أقل درجات معرفة الله عز وجل؟ هذا السؤال أجاب عنه الإمام أبو الحسن عليه السلام في رواية الفتح بن يزيد، حيث سأله عن أدنى المعرفة، فقال الإمام عليه السلام: "الإقرار بأنه لا إله غيره، ولا شبه له ولا نظير، وأنه قديم مثبت، موجود غير فقيد، وأنه ليس كمثله شيء". ([12])

 لا تفكـروا فـي الله

مادام الله هو خالقنا وصانعنا، وهو أكبر منا يحيط بنا ولا نحيط به علماً، فلماذا التفكر في ذات الله؟ إن هذا التفكر يزيد الانسان تيهاً وضلالاً، وقد نهتنا السنة الشريفة عن ذلك:

قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: "إياكم والتفكر في الله، ولكن إذا أردتم أن تنظروا الى عظمته فانظروا الى عظيم خلقه". ([13])

وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "إياكم والتفكر في الله، فان التفكر في الله لا يزيد إلاّ تيهاً. إن الله عز وجل لا تدركه الأبصار، ولا يوصف بمقدار". ([14])

وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: "تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله، فان الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيراً". ([15])

ثمن التوحيد

إذا كان أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده – كما في الرواية السالفة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام – فإن التوحيد يكون أساس كل شيء في الحياة، وبناءً عليه أو على عدمه تكون الجنة أو النار. فالتوحيد هو باب الجنة، والشرك بالله ظلم عظيم يولج الله صاحبه النار. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "التوحيد ثمن الجنة". ([16])

وروي عن الإمام علي عليه السلام في قول الله عز وجل: ]هَلْ جَزاء الإحْسَان إلاّ الإحْسَان[، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الله عز وجل قال: ما جزاء من أنعمتُ عليه بالتوحيد إلاّ الجنة". ([17])

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقول الله جل جلاله: "لا إله إلاّ الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي". ([18])

وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى حرم أجساد الموحدين على النار". ([19])

أفضل الأعمال

عن محمد بن سماعة، قال: سأل بعض أصحابنا الإمام جعفر الصادق عليه السلام، فقال لـه: أخبرني أي الأعمال أفضل؟ قـال: "توحيدك لربك". قال: فما أعظم الذنوب؟ قال: "تشبيهك لخالقك". ([20])


 

 

الفصل الثاني: عن العدل
 
 
العدل في القرآن الكريم

أكبر صفات الله العدل الذي يجريه في الطبيعة، حيث يسنّ للحياة سنناً يجريها بقدرته وسلطانه، فلا يدع جانباً منها يطغى على جانب آخر؛ والانسان هو المخلوق الوحيد الذي أكرمه الله بالحرية، ولكنه حدد حريته بوقت، فبعده يعيده الى حدوده بالقوة إن لم يعد إليها بالهداية. ومن أولى بتطبيق العدالة في الحياة من العزيز (المقتدر) الحكيم (الخبير بالأمور)؟ قال سبحانه وتعالى: ]شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلآَئِكَةُ وَاُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِماً بِالْقِسْطِ لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ (آل عمران/18)

يأمر بالقسط

وقال الله سبحانه: ]قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ[ (الأعراف/29)

العدالة فطرة كامنة في البشر، وطموح كبير. وإذا لم يهو أحد القيام بالقسط بنفسه، فلا ريب أنه يحبه للآخرين ويطالبه منهم. والله تبارك وتعالى لا يمكن أن يأمر بغير القسط، والكون كله يشهد له بالعدالة في كل شيء.

الصدق والعدل

قال الله تعالى: ]وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لامُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[ (الانعام/115)

تتميز كلمات الله، وخلاصة وحيه الى البشرية بأنها تامة، ويعني ذلك أنها تفي بكل الحاجات البشرية، وأنها صادقة تطابق الحق، والحق هو ما في الكون من أنظمة وسنن. وبما أن ربنا هو جاعل هذه الأنظمة ومجريها، فانه سبحانه هدى البشر إليها عبر كلماته بصدق؛ وأن كلمات ربنا سبحانه هي العدالة، حيث انها تعطي لكل فرد حقه ولكل طائفة وقوم وجيل حقه، ذلك لأن الله فوق الميول والشهوات، وقادر وحكيم وعليم، لذلك لا يوجد لديه سبحانه أي سبب للظلم من عجز أو ما أشبه.

لا يظلم أحداً

قال الله سبحانه: ]إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[ (النساء/40)

من أبرز تجليات عدالة الله تعالى، أنه لا يظلم أبداً ولو بمقدار ذرة. فهو يجازي الناس بالضبط وبكل دقة؛ فاذا كفر شخص بقدر وزن ذرة صغيرة، فانه يجازيه بقدر كفره لا أكثر من ذلك، وإذا عمل خيراً بمثقال ذرة فإنه لا يضيع عمله: ]فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[ (الزلزلة/7-8 ).

وقال الله تعالى: ]إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[ (يونس/44)

فعندما يغلق الانسان سمعه وبصره عن تلقي أمواج الهداية الربانية، لا يجوز لـه أن يزعم بأن الله سبحانه قد ظلمه إذ سلبه سمعه وبصره. كلا؛ فالله لا يظلم أحداً، بل الانسان هو نفسه الذي لا ينتفع بسمعه وبصره وبالتالي يظلم نفسه. فالناس هم الذين لا يستفيدون من أدوات التوجيه التي وهبها الله لهم ليهتدوا عبرها، وربما كان تعبير القرآن هنا بكلمتي "الناس" و "أنفسهم" هو لسبب أن الناس يظلم بعضهم بعضاً بالتضليل عن صراط الهدى، ولذلك فإنهم المسؤولون عن هداية بعضهم البعض.

الموازين العادلة

قـال الله تعالى: ]وَنَضَعُ الْمَوَازِيـنَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْـسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّـةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَـا حَاسِبِيـنَ[ (الأنبياء/47)

في يوم القيامة يواجه كل انسان جزاءه، حيث الحساب الدقيق والعسير؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وتعالى الله أن يظلم أحداً شيئاً؛ حتى لو أن الانسان أحسن وعمل عملاً بوزن مثقال حبة من خردل، وفي أي مكان على وجه الأرض، وعلى أية درجة من السرية والكتمان، فان الله سيأتي به – بقدرته وعلمه اللامحدودين – مثبتاً ومسجلاً، يعرضه على صاحبه في يوم القيامة، ثم يعطيه جزاءه العادل عليه.

 

العدل في السنة الشريفة

قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبة له يحمد الله فيها: "الذي صدق في ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه.." ([21])

وقال عليه السلام في خطبة أخرى: "الذي عظم حلمه فعفا، وعدل في كل ما قضى.." ([22])

هـو العـدل

لا شك في قدرة الله على كل شيء.. وأن باستطاعته في أقل من لحظة عين أن يزرع الهدى في قلوب الضالين، أو أن يضل المهتدين. ولكن حاشاه أن يستخدم قدرته في ظلم عباده، فإذا رسخ الهدى في قلب انسان فإن الله لا يظلمه بنـزع الإيمان من قلبه. سُئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن ذلك، حيث قال له الحسين بن نعيم الصحاف: أيكون الرجل مؤمناً قد ثبت له الإيمان ثم ينقله الله بعد الإيمان الى الكفر؟ فقال الإمام عليه السلام: "إن الله هو العدل، وإنما بعث الرسل ليدعوا الناس الى الإيمان بالله، ولا يدعوا أحداً الى الكفر". ([23])

ما عـرف الله..

هناك جملة من الناس تتهرب في الحياة من مسؤولية أعمالها السيئة، وذلك بإلقاء تبعة الذنوب على الله عز وجل، فيزعمون أن الله هو الذي يريد لهم ارتكاب الذنوب، ولولا ارادة الله عز وجل لما أذنبوا، إلاّ أن هذه النظرة تتنافى وعدل الله عز وجل.

يقـول الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "ما عرف الله مَـنْ

شَبَّهَهُ بخلقه، ولا وصفه بالعدل مَنْ نسب إليه ذنوب عباده". ([24])

الله أعـدل

وفي الرواية المأثورة عن الإمام الرضا عليه السلام نجد التعبير عن هذه القضية بلغة أخرى، فالله لا يجبر عباده على السيئات ثم يعذبهم على ذلك، إذ ان ذلك يتناقض مع عدله وحكمته.

روي أن الفضل بن سهل سأل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بين يدي المأمون، فقال: يا أبا الحسن؛ الخلق مجبورون؟ فقال: "الله أعدل من أن يجبر خلقه ثم يعذبهم". قال: فمطلقون؟ قال: "الله أحكم من أن يهمل عبده ويكله الى نفسه". ([25])

الله أكـرم

كما أن الله سبحانه لا يكلف أحداً ما لا يقدر عليه، إذ أن ذلك ظلم هو الآخر، والله منـزه عن كل أنواع ودرجات الظلم. قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إن الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه ما لا يريد". ([26])

ليبتلـي من أراد

لماذا إذن نجد بين الناس الفقير والغني؟ أليس من الأفضل أن يقسم الله الأرزاق بالسوية بين الناس، فلا فقير ولا غني؟ كلا؛ ليست المساواة تعني العدل دائماً. فدار الدنيا دار الابتلاء والاختبار، ومن أسباب الإختبار هو السعة أو الضيق في الرزق. يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "وقَـدَّرَ الأرزاق فكـثّرها وقللها، وقسمها على الضيـق والسعة، فعدل فيها ليبلي من أراد بميسورها ومعسورها، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرهـا.." ([27])

 


 
 
الفصل الثالث: عن الرسالة والرسول
 
 
الرسالة والرسول في القرآن الكريم

قال الله سبحانه: ]لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[

(الحديد/25)

إن الله أرسل الرسل دليلاً إليه وتعريفاً للناس به تعالى، فهم يتحملون مسؤولية محددة هي تبليغ رسالة الخالق الى المخلوقين، وهدايتهم الى معرفته، والايمان بـه، والعمل برسالته. فالرسل هم السفراء بين الخالق والمخلوق، وحبل الله الممدود من السماء إلى الأرض.

ولكن كيف نعرف صدقهم وصدق دعوتهم من بين القادة المنحرفين والدعوات الضالة؟

القرآن يجيب: ]بِالبَيِّنَاتِ[ ولهذه الكلمة معنيان يبدو أنهما معاً مقصودان بهذه الآية:

1- تفاصيل الهدى المتمثلة في البصائر والمناهج المنبثقة منها، واشتمال رسالات الأنبياء على هذه التفاصيل دليل على أنها وحي من عند الله، إذ قد يهتدي إنسان أوتي صفاء النفس الى بعض معاني الغيب، ولكن أنّى للانسان أن يأتي بهذه المنظومة المتكاملة من البصائر الغيبية، فليس ذلك إلاّ دليل إتصاله المباشر بالوحي.

2- الحجج والآيات التي تهيمن على النفس والعقل، كالمعاجز والخلوص من الهوى والمصلحة، والتمحّض للحق. وهذا يهدينا إلى أن الرسالات الإلهية قائمة قبل كل شيء على الإقناع، لأنه الذي ينمي الإيمان في النفس، ويحرّكه بفاعلية أكبر وأبقى من أي عامل آخر. وحينما يتخلف أحد من المؤمنين عن الاستجابة للرسول وللوحي فإنّ ذلك يدل على تزلزل قناعاته.

ولأن الإيمان بالرسل لا يؤتي ثماره إلاّ إذا تحول الى نظام تربوي، اجتماعي، اقتصادي، سياسي، ثقافي شامل لجوانب الحياة، يكفل للبشرية السعادة، أنزل الله مع رسله شريعة متكاملة الى جانب البينات متمثلاً بالكتاب: ]وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ[.

الرسل ومسؤولية الإنسـان

ليس الهدف من بعث الرسل هو سلب المسؤولية عن الناس وإلقائها على عاتق الأنبياء، كما كان يزعم البعض، فقد تطرق فريق من الناس فزعموا إن الرسول إنما يأتي ليكون مسؤولاً بدلاً عنهم، أو ليجبرهم على الهدى، أو حتى ليؤمِّن لهم عملياً كل وسائل السعادة. ولكن الله يفنِّد هذا الزعم قائلاً:]وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[ (الانعام/48)

فالهدف من بعث الرسل هو توفير وسيلة الأمان في النفوس وفي الواقع. فالذين يؤمنون بالرسل ويتبعونهم لا خوفٌ عليهم من المستقبل، مما يدل على وجود حالة السلام في أنفسهم، ولا هم يحزنون من الماضي مما يدل على وجود السلام في الواقع الخارجي حيث لا يصيبهم ما يحزنون بسببه لتمسكهم بمناهج الرسل.

غاية الرسـل

إن الغاية من بعث الرسل هي: التبشير بحياة أفضل، والتحذير من الهلاك، حتى لا يقول الناس غداً: ربنا لِمَ لَمْ تبعث إلينا الرسل حتى لا نضل ولا نقع في الهلاك. إن هذا الهدف العقلاني لدليل على إن الله قد بعث الرسل بالتأكيد، ثم لأن الله قادر على بعث الرسل، ولأنه حكيم فهو لا يعذب البشر قبل أن يقطع عليهم الحجج، ويسوق إليهم الأعذار. قال الله تعالى: ]رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً[ (النساء/165)

لا.. للاكـراه

من آثار رحمة الله أنه لم يبادر الى إنزال العقوبة بعباده فور إنحرافهم عن الدين القيِّم، مما يعرّضهم للاصطدام بالسنن الإلهية. كلا؛ وإنما أنذرهم عبر رسله.

أرأيت لو شاهدت طفلاً يلعب على حافة جبل، أولستَ تخشى عليه السقوط وتسعى بكل جهدك أن تردعه؟ كذلك رسل الله سعوا من أجل إيقاف سقوط الأمم في وديان الفساد. ولكن ذلك لا يعني أبداً إكراه الناس على الهداية، بل الذين أجرموا تعرضوا لانتقام الرب في النهاية، أما المؤمنون بالرسل فكان حقاً على الله أن ينصرهم. قال الله تعالى: ]وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً  عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ (الروم/47)

للناس كافـة

قال الله تعالى: ]وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ اِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[ (سبأ/28)

إن ما يميز رسول الله صلى الله عليه وآله عن سائر الأنبياء عليهم السلام، أنه بُعِثَ لعامة الناس، إذ لم تختص دعوته بجماعة دون أخرى، ولا بقوم دون آخر. وهذا بذاته دليل على صدق رسالته، ذلك أن الانسان مهما حاول التجرد فانه يبقى ابن بيئته التي تعكس عليه آثاره في واقع الثقافة، كما تعكس عليه الآثار الطبيعية. وهكذا حين يأتي الرسول برسالة تتجاوز القومية والعنصرية والاقليمية، نظرياً وعملياً، فان ذلك يكون دليلاً على أن رسالته إلهية.

الرسول أسوة

قال الله تعالى: ]لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الأَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً[ (الأحزاب/21)

معرفة الرسول والاقتداء به لا يمكن إلاّ للانسان المؤمن والعارف بالله، لأن الرسول جاء من عند الله، وكلما ازداد الانسان معرفة بربه ازداد معرفة بنبيه. وقد جاء في الدعاء: "اللهم عرّفني نفسك فانك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرّفني نبيك فانك إن لم تعرفني نبيك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك فانك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني".

أما الذي يكون هدفه شهواته أو زينة الدنيا، فانه لا يستطيع الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله، الذي أخلص نفسه ووجهه لله، وزهد في درجات هذه الدنيا الدنية، وزخرفها وزبرجها.

ليظهره على الدين

قال الله تعالى: ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[ (التوبة/33)

لقد بعث الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله لتحقيق هدفين أساسيين، هما:

1- توفير فرصة الهداية للناس حتى يتم الحجة عليهم. والهدى هو الوصول الى الحقيقة، ولا يصل البشر الى الحقيقة إلاّ بالعلم بها والتسليم القلبي لها. ذلك لأن العلم الذي لا يشفعه الإيمان لا يكفي، إذ يبقى الجحود والغفلة حاجزاً بين البشر وبين الحقيقة.

2- إقامة سلطة الحق؛ سلطة العدالة والقانون؛ سلطة القيم والمبادئ، وذلك في مقابل سلطة القوة التي هي شريعة الغاب ومنطق الجبارين. ومن الواضح إن المجتمع إما تسوده شريعة الغاب أو شريعة الله؛ شريعة الحـق أو شريعة الباطل، لأن الله تعالى الذي خلق الحياة، منح قدراً من الحريـة للناس، إلا أن العاقبة هي للحق. ولقد تنامت أمواج الرسالة في العالم منذ انبعاث الرسول العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله والى اليـوم. أوليس ذلك دليلاً على تحقق وعد الله في ظهور الإسلام على الدين كله؟

طاعة الرسـول

قال الله تعالى: ]وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[ (آل عمران/132)

حين يتطهر المجتمع من الاستغلال، يتطهر من أكبر أسباب التمرد والنفاق، ويستعد لطاعة الرسول، خصوصاً لدى تحكيمه في الخلافات العرقية والقومية والمصلحية، بين فئات المجتمع. وطاعة الرسول تستدرج الرحمة والرفاه، لأنها تقضي على نوازع الشر، وأسباب الخلاف والتمرد، وتوجه الأمة كلها باتجاه البناء في ظل اطمئنان وارف يشعـر الجميع فيه بأن جهودهم لن تذهب سدى.

التقدم والطاعة

قال الله تعالى: ]وَمَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً[ (النساء/80)

إن طاعة الرسول هي طاعة الله، لا اختلاف بينهما ولا تناقض؛ إذ أن الرسول إنما يبيِّن كتاب الله، ولولا طاعة الرسول لانهار بناء التوحيد. وهذا التماسك في المبادئ الاسلامية والتكامل والوحدة فيها لدليل على أنها من الله تعالى، إذ أن أي مبدأ بشري لابد أن تجد فيه تناقضاً بين الأيدلوجية والتشريع، وبين بنود الأيدلوجية ذاتها، وبين قوانين التشريع مع بعضها.

وعلى هذا فان حاجة الأمة الى الطاعة المبدئية هي أكبر من حاجتها الى أي شيء آخر، إذ التعاون والتطوير، والمواجهة مع الأعداء، وبناء وإعداد الجبهة الداخلية.. كل تلك نتيجة مباشرة للطاعة؛ وإنما تتقدم الأمم بقدر تماسكها واندفاعها ووحدة مسيرتها، وهي كلها تأتي نتيجة الطاعة.

 

الرسالة والرسول في السنة الشريفة

لماذا بعث الله الأنبياء؟

لماذا بعث الله الأنبياء؟ هذا السؤال يطرحه غرور الانسان على طول التاريخ، ناسياً حاجته الملحة لمن يبشره بالطريق الأقوم في الحياة، وينذره من سلوك الدرب الأعوج. فقد سُئل الإمام الصادق عليه السلام: لأي شيء بعث الله الأنبياء والرسل الى الناس؟ فقال الإمام عليه السلام: "لئلا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل، ولئلا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتكون حجة الله عليهم. ألا تسمع الله عز وجل يقول حكاية عن خزنـة جهنم واحتجاجهم على أهل النار بالأنبياء والرسل: ]أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ[. ([28])

وفي نفس السياق قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "فبعث الله محمداً صلى الله عليه وآله بالحق، ليخرج عباده من عبادة الأوثان الى عبادته، ومن طاعة الشيطان الى طاعته، بقُرآن قد بيّنه وأحكمه، ليعلم العباد ربَّهم إذ جهلوه، وليقرُّوا به بعد إذ جحدوه، وليثبّتوه بعد إذ أنكروه. فتجلَّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه بما أراهم من قدرته، وخوّفهم من سطوته، وكيف محق من محق بالمثلاث، واحتصد من احتصد بالنقمات". ([29])

كيف نثبّت الرسل؟

وروي عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى الإمام الصادق عليه السلام، فقال: من أين أثبتَّ أنبياءً ورسلاً؟ قال أبو عبد الله عليه السلام: إنّا لمّا أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع مـا خلـق، وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه، ولا يباشرهم ولا يباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، فثبت أنّ لـه سفراء في خلقـه يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم. فثبت الآمرون والنّاهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنّه لـه معبّرين، وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم في الخلق والتركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهيـن والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلـو أرض الله من حجّة يكون معه علمٌ يدلّ على صدق مقـال الرسول ووجوب عدالته". ([30])

حجة ظاهرة

ويزعم البعض أنه تكفينا عقولنا، فهي حجة الله علينا، ولا حاجة لنا بالرسل والأنبياء، غافلين عن أن عقول الناس هي حجج باطنة تدس تحت ركام الجهل والغفلة والعصبية فتحتاج الى من يعضدها من الخارج وهم الرسل. قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "بعث الله رسله بما خصهم به من وحيه، وجعلهم حجة له على خلقه، لئلا تجب الحجة لهم بترك الإعذار إليهم، فدعاهم بلسان الصدق الى سبيل الحق". ([31])

وقال الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام: "إن لله على الناس حجتين؛ حجة ظاهرة، وحجة باطنة. فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول". ([32])

استجيبوا لأنبياء الله

ولا يكفي مجرد الإيمان القلبي بالرسل والاعتراف بهم، بل ينبغي أن يكتمل ذلك بالعمل وفق مناهجهم والاستجابة لدعواتهم عملياً. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "استجيبوا لأنبياء الله، وسلموا لأمرهم، واعملوا بطاعتهم، تدخلوا في شفاعتهم". ([33])

ويقول الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم: "يا هشام؛ ما بعث الله أنبياءه ورسلـه الى عباده إلاّ ليعقلوا عن الله، فأحسنهم إستجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأعقلهم أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة". ([34])

نهج الأنبيـاء

وقد بيّن الإمام الأمير المؤمنين عليه السلام حكمة بعثـة الرسل في كلمات بليغة أشار فيها إلى:

أولاً: إن الله سبحانه قد أخذ من الأنبياء ميثاق الطاعة، فهم يختلفون عن سائر الخلق في الاستقامة على الطريق والاعتصام بالله عن الزلاّت.

ثانياً: لأن أكثر الناس بدّلوا عهد الله اليهم بطاعته وأصبحوا من نصيب الشيطان، كان بعث الأنبياء ضرورياً لهدايتهم.

ثالثـاً: لأن الله سبحانه قد أودع في فطرة البشر توحيده وأخذ ميثاقهم عليه (في عالم الذر) فبعث الأنبياء ليطالبهم باداء ذلك الميثاق.

رابعاً: ولأنه أنعم عليهم بمعرفته ولكنهم نسوه، فبعث الأنبياء ليذكروهم بتلك النعمة المنسية.

خامساً: لأن الله سبحانه يجازي الناس على كفرهم فارسل الأنبياء ليتموا الحجة عليهم.

سادساً: لأن عقول الناس قد دست في ركام الجهالات، أرسل الله الأنبياء عليهم السلام ليثيروا للناس ما دُفِنَ من عقولهم فيعرفـوا الحق والباطل والوسيلة الى ذلك. إن الرسل يقومون  باراءة الناس آيات ربّهم في الافاق. 

إذاً دعنا نتأمل في كلمات الإمام بدقة، يقول عليه السلام:   

"واصطفى سبحانه من ولده (ولد آدم) أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم، لمَّا بدَّل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه، واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم([35]) الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويُذكِّروهم منسيَّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول، ويروهم آيات المقدرة؛ من سقفٍ فوقهم مرفوع، ومهاد تحتهم موضوع، ومعايش تُحييهم، وآجالٍ تُفنيهم، وأوصابٍ([36]) تُهرمهم، وأحداثٍ تتابع عليهم؛ ولم يخل الله سبحانه خلقه من نبيٍّ مرسلٍ، أو كتابٍ منـزلٍ، أو حجة لازمة، أو محجة قائمة؛ رسلٌ لا تُقصِّر بهم قلَّة عددهم، ولا كثرة المكذبين لهم؛ من سابق سُمّي له من بعده، أو غابرٍ عرَّفه من قبله. على ذلك نسلتِ القرونُ، ومضتِ الدهورُ، وسلفتِ الآباء، وخلفتِ الأبناءُ.

إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لإنجاز عدته، وإتمام نبوّته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورةً سماتُهُ، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ مللٌ متفرّقةٌ، وأهواء منتشرة، وطرائق متشتتة، بين مشبّه لله بخلقه، أو ملحدٍ في اسمه، أو مشيرٍ الى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة. ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه وسلّم لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً صلى الله عليه وآله، وخلَّف فيكم ما خلَّفتِ الأنبياء في أممها، إذ لم يتركوهم هملاً، بغير طريق واضحٍ، ولا علم قائمْ". ([37])

لنعظّم الأنبياء جميعاً

قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام:

"إن الله عزّ وجل مكّن أنبياءه من خزائن لطفه وكرمه ورحمته، وعلّمهم من مخزون علمه، وأفردهم من جميع الخلائق لنفسه، فلا يشبه أخلاقهم وأحوالهم أحد من الخلائق أجمعين، إذ جعلهم وسائل سائر الخلق إليه، وجعل حبّهم وطاعتهم سبب رضاه،و خلافهم وإنكارهم سبب سخطه، وأمر كلّ قوم باتّباع ملّـة رسولهم، ثمّ أبى أن يقبل طاعة أحد إلاّ بطاعتهم ومعرفة حقّهم وحرمتهم ووقارهم وتعظيمهم وجاههم عند الله؛ فَعَظِّمْ جميع أنبياء الله ولا تنـزلهم بمنـزلة أحد من دونهم، ولا تتصرّف بعقلك في مقاماتهم وأحوالهم وأخلاقهم إلاّ ببيان محكم من عند الله وإجماع أهل البصائر بدلائل تتحقّق بها فضائلهم ومراتبهم، وأنّى بالوصول الى حقيقة ما لهم عند الله؟ وإن قابلت أقوالهم وأفعالهم بمن دونهم من الناس أجمعين فقد أسأت صحبتهم، وأنكرت معرفتهم، وجهلت خصوصيّتهم بالله، وسقطت عن درجة حقيقة الإيمان والمعرفة. فإيّاك ثمّ إيّاك". ([38])

خاتم الأنبيـاء

قال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام:

"فاستودعهم (أي الأنبياء) في أفضل مستودع، وأقرَّهم في خير مستقر، تناسختهم([39]) كرائم الأصلاب الى مطهرات الأرحام؛ كلّما مضى منهم سلفٌ قام منهم بدين الله خلف.

حتى أفضت كرامة الله سبحانه وتعالى الى محمد صلى الله عليه وآله؛ فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً، وأعزّ الأرومات مغرساً؛ من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتجب منها أمناءه. عترته خير العِتر، وأسرته خيرُ الأسر، وشجرته خير الشجر؛ نبتت في حرمٍ، وبسقت في كرمٍ؛ لها فروع طوالٌ، وثمرٌ لا يُنال. فهو إمام من اتّقى، وبصيرة من اهتدى، سِراج لمعَ ضوؤُه، وشهاب سَطَعَ نورُهُ، وزندٌ برق لمعه؛ سيرته القصدُ، وسُنّته الرشدُ، وكلامه الفصلُ، وحُكمُهُ العدلُ؛ أرسلهُ على حين فترةٍ من الرسلِ، وهفوةٍ عن العمل، وغباوةٍ من الأممِ". ([40])

أكرمهم على الله

عن الرضا، عن آبائه عليهم السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: "خلق الله عز وجل مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي، أنا أكرمهم على الله ولا فخر. وخلق الله عز وجل مائة ألف وصي وأربعة وعشرين ألف وصي، فعلي أكرمهم على الله وأفضلهم". ([41])


 

 

الفصل الرابع: عن الإمامة والإمام

 

 

الإمامة والإمام في القرآن الكريم

الحاجة الى الإمام

كما لا تكمل الرسالة بدون الرسول صلى الله عليه وآله، كذلك لا تتم الشريعة بدون إمام. ذلك لأن طبيعة البشر تهوي به إلى الأسفل ولا يكفيها وجود شريعة محفوظة في الأسفار، بل لابد من تجسيد تلك الشريعـة في إنسان يتمتع بتفـوق تشريعي يعطيـه صلاحية تطبيـق الشريعة على الناس، إذ لابد لكل قانون من مطبق نافذ الكلمة وإلاّ عـاد القانون حبراً على ورق.

ولقد شاء الله تبارك وتعالى أن يسعد الإنسان في الحياة بدون أن يجبره على ذلك فيسلبه كرامته وحريته، وهكذا كان ينبغي عليه أن يوفر له كل وسائل السعادة حتى إذا شاء أخذ بها، فشرع له الشرائع وعبَّد له المناهج ثم بعث رسولاً يبين له وينذره ويبشره ويدعوه الى تطبيق ذلك ويشرف على تنفيذه، وكان عليه أن لا يترك الخلق فوضى دون منفذ للشريعة بعـد الرسول صلى الله عليه وآله؛ بل كان ينبغي أن يعين لهم أئمة يتمتعون بما يتمتع به الرسول من صلاحيات، ويقومون بما يقوم به الرسول من مهمات. كل ذلك إتماماً للنعمة وتحقيقاً للحكمة وتوفيراً لوسائل السعادة، ولكن كما لم يشأ الله أن يُكره الناس على الهدى في عهد الرسل إبقاءً لهم على النعمة الكبرى الموهوبة لهم، وهي نعمة الحرية، فكذلك لم يشأ أن يجبرهم على إتباع الإمام جبراً. وهكذا أبقى على الإمام الأخير صاحب الزمان عجل الله فرجه إتماماً لحجته على خلقه وتوفيراً لمنتهى ما يمكنهم أن يبلغوه من سعادة الدنيا والآخرة.

أولـوا الأمر

وقـد أمرنا الله سبحانه وتعالى بإطاعـة أولي الأمر من بعد الرسـول فقـال: ]يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ...[ (النساء/59)

فأولوا الأمر هم الامتداد الطبيعي للرسول، وهم أهل بيته من بعده؛ العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، الأكفاء على القيام بأمره، الصابرون المتقون، وبالتالي هم أكثر الناس طاعة لله، وأقربهم إلى نهج رسوله.

من يعين الإمام؟

وكما أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يعين من قبل الناس أنفسهم، لأنه وسيلة متصلة بين الله والانسان، فإن الإمام لا يمكن أن يعين إلاّ من قبل الله أيضاً.

وبتعبير آخر؛ إن الإمام ينبغي أن يكون مؤيداً بالغيب، عارفاً بالله ودينه ومعارفه، بعيداً عن تأثيرات المادة وبعيداً عن ظروفها الضيقة. ولا يؤيد الله من يختاره الناس، بل من يصطفيه هو سبحانه وليس للناس الخيرة إذا قضى الله أمراً، ذلك لأنهم عباد مربوبون يجب أن يسلموا بالحاكمية المطلقة لله في كلّ الشؤون. قال سبحانه وتعالى: ]وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ[ (البقرة/124). وقال سبحانه: ]يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ[ (ص/26). وقال عز وجل: ]وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً[ (البقرة/30). من هذه الآيات يظهر بوضوح إن الخلافة والإمامة – اللذين هما تعبيران عن واقع واحد – ليستا من حق أحد، وإنما هما لله وحده لا شريك لـه.

الإمامة وفضل الله

إن الأنبياء والأئمة يوفقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق علم عامة الناس. يقول سبحانه وتعالى: ]وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً  كَثِيراً[ (البقرة/269). وقال عز وجل في طالوت: ]إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللّه ُوَاسِعٌ عَلِيمٌ[ (البقرة/247). وقال عز وجل لنبيه ]وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً[ (النساء/113). وقال عز وجل في الأئمة من أهل بيته وعترته وذريته: ]أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً[ (النساء/54). وإذا اختار الله عز وجل أحد عباده لأمور عبيده، شرح صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً.

من هم الأئمة؟

قال الله سبحانه: ]وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِاَيَاتِنَا يُوقِنُونَ[ (السجدة/24)

الآية الكريمة ترشدنا الى جملة من صفات الإمام الرئيسية، وهي:-

1- الهدى الى الله وبأمره، وليس الى نفسه أو حزبه أو وطنه.. وما أشبه من الدعوات الجاهلية.

2- الصبر وتحمل الشدائد. فالقائد الإلهي هو الذي تتبلور شخصيته في ميادين العمل الجهادي وسوح القتال في سبيل الله، وليس الذي يركب الموجة أو يتسنم صهوة الانتصار من دون عمل وخلفية جهادية. وربما لذلك كان الله تعالى يختار الأنبياء والرسل والأئمة من رحم الشدائد، وعند اجتياز أصعب العقبات.

3- اليقين، وذلك يعني وصوله الى مستوى رفيع من الإيمان بالله، لا يهن بعده ولا يرتاب في طريق الحق، سواء انتصر أو انتكس مرحلياًً.

 
الإمامة والإمام في السنة الشريفة

قال عبد العزيز بن مسلم: كنا مع الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام بمرو فاجتمعنا في المسجد الجامع بها فأدار الناس بينهم أمر الإمامة، فذكروا كثرة الاختلاف فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الإمام الرضا عليه السلام فأعلمته بما خاض الناس فيه، فتبسم عليه السلام ثم قال:

يـا عبد العزيز؛ جهل القوم وخدعوا عن أديانهم، إن الله جل وعـز لـم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى أكمل له الدين، وأنزل عليـه القـرآن فيه تبيان كل شيء، وبين فيه الحلال والحرام والحـدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس جملاً، فقال: ]مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ[. وأنزل عليه في حجة الوداع وهو آخر عمره صلى الله عليـه وآله وسلم "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً". وأمر الإمامة من كمال الدين، ولـم يمض صلى الله عليـه وآله حتى بين لأمته معالم دينه وأوضح لهم سبلهم وتركهم على قصد الحق وأقام لهم علياً عليه السلام علماً وإماماً، وما ترك شيئاً مما تحتاج إليه الأمـة إلاّ وقد بينه. فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله فقد كفر. هل يعرفون قدر الإمامة ومحلها من الأمة، فيجوز فيها إختيارهم؟

إن الإمامة خص بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة وفضيلة شرفه بها وأشاد بها ذكره، فقال جل وعز: ]وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَاَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً[، قال الجليل سروراً بها: ]وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ[. فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم الى يوم القيامة وصارت في الصفوة. ثم أكرمها الله بأن جعلها في ذرية أهل الصفوة والطهارة، فقال: ]  وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ[، ]وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ[. فلم تزل ترثها ذريته عليه السلام بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الله: ]إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا[ فكانت لهم خاصة فقلدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم العلم والإيمان، وذلك قوله: ]وَقَالَ الَّذِينَ اُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ[ على رسم ما جرى وما فرضه الله في ولده الى يوم القيامة. إذ لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فمن أين يختار هذه الجهال الإمامة بآرائهم؟

إن الإمامة منـزلـة الأنبياء وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافـة رسوله صلى الله عليه وآله ومقام أمير المؤمنيـن عليه السلام وخلافـة الحسن والحسين عليهما السلام.

إن الإمام زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعز المؤمنين. الإمام أس الإسلام النامي وفرعه السامي. بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.

الإمام يحلل حلال الله ويحرم حرامه ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ويدعو الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة.

الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهو بالأفق حيث لا تناله الأبصار ولا الأيدي.

الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الطالع والنجم الهادي في غيابات الدجى والدليل على الهدى والمنجي من الردى.

الإمام النار على اليفاع([42])، الحار لمن اصطلى والدليل في المهالك، من فارقه فهالك.  

الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والسماء الظليلة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة.

الإمام الأمين الرفيق، والوالد الشفيق والأخ الشقيق وكالأم البرة بالولد الصغير ومفزع العباد.

الإمام أمين الله في أرضه وخلقه، وحجته على عباده وخليفته في بلاده والداعي الى الله والذاب عن حريم الله.

الإمام مطهر من الذنوب، مبرء من العيوب، مخصوص بالعلم، موسوم بالحلم، نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين.

الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد له بدل ولا لـه مثل ولا نظير؛ مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضل الوهاب، فمن ذا يبلغ معرفة الإمام أو كنه وصفه؟

هيهات هيهات، ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وحصرت الخطباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء، وفحمت العلماء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله، فأقرت بالعجز والتقصير، فكيف يوصف بكليته، أو ينعت بكيفيته، أو يوجد من يقوم مقامه، أو يغني غناه؟ وأنى وهو بحيث النجم عن أيدي المتناولين ووصف الواصفين، أيظنون أنه يوجد ذلك في غير آل رسول الله صلى الله عليه وعليهم؟ كَذَّبَتْهُم والله أنفسهم، ومنتهم الأباطيل إذ ارتقوا مرتقى صعباً ومنـزلاً دحضاً، ذلت بهم الى الحضيض أقدامهم، إذ راموا إقامة إمام بآرائهم، وكيف لهم باختيار إمام؟ والإمام عالم لا يجهل، وراع لا يمكر، معدن النبوة لا يغمز فيه بنسب ولا يدانيه ذو حسب؛ فالبيت من قريش والذروة من هاشم والعترة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، شرف الأشراف والفرع من عبد مناف، نامي العلم، كامل الحلم، مضطلع بالأمر، عالم بالسياسة، مستحق للرئاسة، مفترض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله. ([43])

أبـواب الله

قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "الأوصياء هم أبواب الله عز وجل التي يؤتى منها، ولولاهم ما عرف الله عز وجل، وبهم احتج الله تبارك وتعالى على خلقه". ([44])

حجج الله على خلقـه

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "يا علي؛ أنت والأئمة من ولدك بعدي حجج الله على خلقه، وأعلامه في بريته؛ فمن أنكر واحداً منهم فقد أنكرني، ومن عصا واحداً منهم فقد عصاني، ومن جفا واحداً منهم فقد جفاني؛ ومن وصلكم فقد وصلني، ومن أطاعكم فقد أطاعني، ومن والاكم فقد والاني، ومن عاداكم فقد عاداني؛ لأنكم مني، خُلِقْتُم من طينتي، وأنا منكم". ([45])

بالإمام يُعرف الله

عن أبي حمزة قال: قال لي أبو جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام: "انما يعبد الله من يعرف الله، فأما من لا يعرف الله فانما يعبده هكذا ضلالاً. قلت: جعلت فداك؛ فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله عز وجل، وتصديق رسوله صلى الله عليه وآله، وموالاة علي عليه السلام، والإئتمام به وبأئمة الهدى عليهم السلام، والبراءة الى الله عز وجل من عدوهم. هكذا يُعرف الله عز وجل". ([46])

فمن والاهم.. فهو مِنـي

قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: "لما اُنزلت ]يَوْمَ نَدْعُو كُل اُنَاس بإمَامهمْ[ قال المسلمون: يا رسول الله؛ ألست بإمام الناس كلهم أجمعين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا رسول الله الى الناس أجمعين، ولكن سيكون بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي من الله، يقومون في الناس فيكذبونهم، ويظلمهم أئمة الكفر والضلال وأشياعهم. ألا فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، ألا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذبهم فليس مني ولا معي وأنا منه بريء". ([47])

معرفة الإمـام

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من مات ولا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية". ([48])

عن يحيى بن عبد الله، عن أبي عبد الله (الإمام جعفر الصادق) عليه السلام، أنه قال: "يا يحيى؛ من بات ليلة لا يعرف فيها إمام زمانه، مات ميتة جاهلية". ([49])

وروي عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: "نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلاّ معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا. من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتى يرجع الى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فان يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء". ([50])

تـولّ علياً عليه السلام

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من أحب أن يحيى حياة تشبه حياة  الأنبياء، ويموت ميتة تشبه ميتة الشهداء، ويسكن الجنان التي غرسها الرحمن، فليتولّ علياً وليوال وليه وليقتدِ بالأئمة من بعده، فانهم عترتي خُلِقوا من طينتي. اللهم ارزقهم فهمي وعلمي، وويل للمخالفين لهم من أمّتي، اللهم لا تنلهم شفاعتي". ([51])

الأئمة إثنا عشـر

عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الأئمة من بعدي إثنا عشر كلهم من قريش". ([52])

قـال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الأئمة من بعدي إثنـا عشـر، فمن أحبهم واقتدى بهم فاز ونجى، ومن تخلف عنهم ضـل وغـوى". ([53])

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إثنى عشر من أهل بيتـي أعطاهم الله تعالى فهمي وعلمي وحكمتي وخلقهم من طينتي، فويـل للمتكبريـن عليهم بعـدي القاطعيـن فيهم صلتي، ما لهم؟ لا أنالهـم الله شفاعتـي". ([54])

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يا علي؛ أنت وصيي، حربك حربي، وسلمك سلمي، وأنت الإمام وأبو الأئمة الأحدى عشر الذين هم المطهرون المعصومون ومنهم المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فويل لمبغضهم. يا علي؛ لو أن رجلاً أحبك وأولادك في الله لحشره الله معك ومع أولادك، وأنتم معي في الدرجات العلى، وأنت قسيم الجنة والنار تدخل محبيك الجنة ومبغضيك النار". ([55])

مسؤوليتنا تجاه الإمام عليه السلام

ماذا يجب على الناس تجاه الإمام؟

هذا السؤال يفرض نفسه على من اعتقد أن الإمام شخص ينتخبه الله تعالى، وجواب هذا السؤال لابد أن يأتي من قبل الأئمة أنفسهم - بعد الايمان بهم مجملاً – وهناك عدة وظائف مفروضة على الناس بالنسبة الى الإمام نشير الى عشرة منها، ونذكر ما يشير إليها من كلماتهم عليهم السلام:

1- معرفة الإمام بشخصه.

والدليل على ذلك قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: "من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية". ([56])

2- أن يعتقد بولايتهم.

والحجة على ذلك قول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "إن أول ما يُسأل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جل جلاله؛ عن الصلوات المفروضات، وعن الزكاة المفروضة، وعن الصيام المفروض، وعن الحج المفروض، وعن ولايتنا أهل البيت. فمن أقرَّ بولايتنا ثم مات عليها، قبلت منه صلاته وصومه وزكاته وحجه، وإن لم يقرَّ بولايتنا بين يدي الله جل جلاله لم يقبل الله عز وجل منه شيئاً من أعماله". ([57])

3- أن يسلم لهم ولا يرد عملاً من أعمالهم.

والبرهان على ذلك قول الإمام علي بن الحسين عليه السلام: "إن دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة، والآراء الباطلة، والمقاييس الفاسدة، ولا يصاب إلاّ بالتسليم، فمن سَلَّم لنا سَلِمَ، ومن اهتدى بنا هُدي، ومن دان بالقياس والرأي هلك، ومن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم، وهو لا يعلم". ([58])

4- أن يطيعه في كل ما يقول.

قال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: "ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأنبياء ورضى الرحمان الطاعة للإمام بعد معرفته. ثم قال: إن الله يقول: ]مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظـاً[ ". ([59])

5- أن يرد أمر المشاكل إليه.

عن سدير، قال: قلت لأبي جعفر (الإمام محمد الباقر) عليه السلام: "تركت مواليك مختلفين، يتبرأ بعضهم من بعض. قال: ما أنت وذاك؟ إنما كُـلِّفَ الناس ثلاثـة؛ معرفة الأئمة، والتسليم لهم فيما يرد عليهم، والردّ اليهم فيما اختلفوا فيه". ([60])

6- أن يتعلم منه الأحكام والعلوم والأخلاق.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "ستفترق اُمتي على ثلاثة وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية والباقون هالكون، والناجون الذين يتمسكون بولايتكم ويقتبسون من علمكم ولا يعملون برأيهم فأولئك ما عليهم من سبيل". ([61])

7- أن يرجع في تفسير القرآن وتأويله إليه.

قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: ]وَمَا يَعْلم تأويله إلاّ الله وَالرَّاسِخُون في العِلْمْ[ نحن نعلمه.." ([62])

8- أن يفزع إليه في الدواهي.

قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام: "الإمام، الأمين الرفيق والأخ الشفيق ومفزع العباد في الداهية". ([63])

9- أن يعرض على الإمام النصرة متى شاء.

قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: "إنما اُمِرَ الناس أن يطوفوا بهذه الأحجار (أي الكعبة) ثم ينفروا إلينا فيعلمونا ولايتهم، ويعرضوا علينا نصرهم". ([64])

10- أن يؤمن به وبحقانيته.

قال الإمام محمد الباقر عليه السلام في تفسير الآية الكريمة: " ]فَـأمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا[ النور والله الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله الى يوم القيامة". ([65])

هذه هي الوظائف العامة التي تلزمنا تجاه الإمام في كل عصر.. ولكن هناك عدة مسؤوليات ضخمة مفروضة علينا اليوم بصورة خاصة بالنسبة الى الأئمة عليهم السلام، وهي:

1- أن نفهم معارف الأئمة عليهم السلام التي هي بحق المعارف الإسلامية، نفهمها بعيداً عن التيارات الدخيلة التي تلصصت في المناخ الفكري الإسلامي وهي ثلاثة:

أ/ التيار الفلسفي الذي دخل العالم الإسلامي في بداية القرن الثاني ولبس ثوباً إسلامياً، في حين إن جوهره إغريقي مادي.

ب/ التيار الاجنبي الذي لا يزال يتغلغل في أعماق مجتمعاتنا عن طريق مختلف وسائل الاعلام المتطورة، التي تحتوي على سموم بالغة من حيث البناء والإيحاء والإتجاه.

ج/ التيار الجاهلي الذي نبع عن ابتعادنا نحن عن مصادر الأئمة المعصومين عليهم السلام، حيث انجررنا وراء الأهواء  والآراء الشخصية.

والتحصن ضد هذه التيارات إنما يمكن بالتوجه الى المنابع الأولية للمعارف الإسلامية، وهي الروايات دون أن نستعين في فهمها أو تأويلها بشيء من التيارات المشار إليها، بل نعتمد على التدبر العميق في الأحاديث كما لو كنا نحن المخاطبين بها.

2- أن نكيّف حياتنا العملية والفكرية مع توجيهات الأئمة الأطهار عليهم السلام دون أن ندع حرفاً واحداً منها غير مطبق تطبيقاً كاملاً.

3- أن ننشر معارف الأئمة الهداة عليهم السلام في الأوساط العامة وبمختلف المستويات، ونضحي في سبيل ذلك بالوقت والمال والمجهود.

نسأل الله أن يوفقنا لذلك حتى نحظى بسعادة الدنيا والآخرة.


 

 
الفصل الخامس: عن البعث والنشور

 

 

البعث والنشور في القرآن الكريم

تدعونا الى الإيمان بالبعث بعد الموت نظرة واعية الى ما يجري حولنا من أحداث في هذه الدنيا الواسعة:

1- فهناك طائفة كبيرة من الناس يعيشون معنا، يحيون ويموتون طيبين – أعمالاً وقلوباً – لا يبرحون عن إسداء الخدمات الانسانية إلى نظرائهم من البشر دون أن يريدوا منهم جزاءً أو شكوراً.. إنهم يعبدون ربهم ويذكرونه بالعشي والابكار، ولكن مع ذلك تجدهم مظلومين، مقهورين، منكدة عيشتهم، طويلة أحزانهم، متوالية نكباتهم وويلاتهم. وإلى جنب هذه الطائفة يوجد اُناس يتمتعون بالعدة والثروة والجاه العريض، وبعكس ما قد يُتَصور لا يزالون قاسطين، ظالمين، بغاة يهتكون الحرمات ويرتكبون الخطيئات، وكثير منهم يموت على ما هو دون أن يلقى جزاءه في الدنيا.

وإن كثيراً من أولئك الطيبين يبلغون في مكارمهم القمة، كالأنبياء والصالحين والمتمسكين بالحق وهم الألوف الألوف.

وإن كثيراً من هؤلاء المجرمين يهبطون في أعمالهم السيئة الى الحضيض ويقتلون الملايين ويقترفون الجرائم البشعة بحق البشرية جمعاء.

والله الحكيم الذي نرى آثار حكمته في السماء والأرض، لم يخلق شيئاً عبثاً ولا كان بحاجة الى اللعب واللهو، تعالى عن ذلك. الله القادر الذي نجد في ذات أنفسنا وفي كل ما حولنا من أشياء آيات قدرته العظيمة التي لا تحد.. كيف لا يعطي جزاء هؤلاء وهؤلاء؟

أعبثأً خلقهم؟ أم خلقهم ليظلم قويهم ضعيفهم بغير سبب؟ أم أراد بذلك أن يؤذي غير المؤذي؟ أم عجز عن أن يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته؟ كلاّ ثم كلاّ.

فسبحان الحكيم الغني أن يخلق الخلق عبثاً (ولا حاجة له الى العبث) وسبحانه أن يعجز عن أن يجازيهم، أو أن يعجز عن خلقهم مرة أخرى وهو الذي أنشأهم أول مرة.

2- كل دلائل الكون تهدينا الى أن ما فيه قد سخر لنا (أو قد خلق لأجلنا). كل ما فيه من شمس وقمر ونجوم تعمل – ليل نهار – لتبقى الحياة مستمرة. وكل ما فيها مسخر لنا، بما أوتينا من موهبة العقل والقدرة والحرية. وإذا كان كل شيء لنا، فنحن لماذا؟ هل خُلقنا لكي نتمتع في الدنيا؟ ومن منا استطاع أن يتمتع بها سعادة وافية؟ أكبيرنا أم صغيرنا؟ سيدنا أم مملوكنا؟ رئيسنا أم مرؤوسنا؟ ليس هناك من استطاع أن يتذوق حقيقة السعادة في الدنيا، فلماذا إذاً خُلقنا؟

هناك جوابان على ذلك لا ثالث لهما:

أ/ إن الله سبحانه أراد أن يلعب ويعبث فخلقنا ليضحك علينا.

وهذا بعيد عن دلائل حكمته التي نراها في الكون، وعما يهدينا إليه العقل من كمال ربنا، إنه قدوس ليس فيه نقص.

ب/ إنه خلقنا لعالم آخر، وجعل ما في هذه الدنيا من خير دليلاً على أفضل منه وأكمل منه يوجد في الآخرة، وما هنا من شر دليلاً على أسوأ منه وأطول منه يوجد في الآخرة، وأذاقنا من هذا حيناً ومن هذا حيناً، ثم بين لنا عن طريق رسله كيف نتجنب ذلك ونقترب الى هذا.

وهذا هو التفسير الصحيح لظواهر الكون كلها.

3- والى هذا تشير الآيات القرآنية التي سوف نلم بنبذة يسيرة منها، والتي تعتبر بذاتها دليلاً مستقلاً على الحياة الآخرة، لما ثبت بالأدلة العقلية أن لنا إلهاً كاملاً وأنه بعث رسلاً صادقين ونقلوا عنه أن من عمل سوءاً جوزي به وأنه من صلح عملاً أثيب عليه، علمنا بأن وراءنا جزاءاً وثواباً. لنقرأ معاً بعض هذه الآيات القرآنية:

لا ريب فيه

قال الله سبحانه: ]قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ[ (الجاثية/26)

بلى؛ يوم القيامة لا ريب فيه واقعاً؛ أي لا محالة واقع، وليس في ذلك تردد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا الواقع، ولا يغير جهل البشر من الواقع شيئاً. فنحن نجهل – مثلاً – وجود منظومة شمسية في آخر آمـاد هذا الفضاء، فهل يجعل جهلنا بها وجودها عدماً؟ كلاً.. ولعل هذه الآيات في القرآن تعالج حالة نفسية عند البشر، وهي أنه يزعم إن مجرد شكه في شيء يجعله في حل من الالتزامات المترتبة على وجوده. كلا، فالشك في الشيء لا يغير من الواقع شيئاً؛ فالواقع واقع، سواء آمنت به أو لم تؤمن، فإذا كان ذلك الواقع كيوم القيامة الرهيب فان تجاهله مأساة حقيقية للانسان.

لماذا البعـث؟

من أهداف النشور بعد الموت تبيان الحق، وكشف زيف الكفار. وهكذا يكون من حِكَم الإيمان بالآخرة، الايمان بوجود مقياس ثابت للحق، يرجع إليه الناس، فيحكم بينهم فيما اختلفوا. قال الله تعالى: ]لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ[ (النحل/39) فلا يستطيع أحد من أن يبدل الحق باطلاً، ويخدع نفسه بأن الباطل قد أصبح حقاً. كلاّ؛ إن وراءنا يوماً يميز فيه الحق عن الباطل بوضوح كاف.

يحيي ويميت

إن العالم مع ما فيه من تقدم كبير في مجال العلوم المختلفة، عاجز بأسره أن يضيف إلى الإنسان لحظة واحدة من الحياة، لأن الحياة بيد الله وحده، فهو الذي يحيي ويميت. وليس الإنسان وحده الذي يخضع لإرادة الله تعالى، بل لا تجد ظاهرة في الكون إلاّ وهي خاشعة له خاضعة لأمره.

قال الله تعالى: ]وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلاَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[ (المؤمنون/80)

فالليل والنهار يتعاقبان، ليس فقط في التناوب الزمني، وإنما أيضاً في القصر والطول. ومن أوتي البصيرة، والنظر بعين قلبه الى اتقان تدبير الله في الليل والنهار، تبصر أيضاً بمعنى الحياة والموت وقدرة الله المهيمنة عليهما.

وإن الإنسان ليهتدي لهذه الحقيقة حينما يستفيد من عقله، أما حين يعطله بالأسباب المختلفة، كتقليد الآباء، فانه أبعد ما يكون عن استيعاب هذه الحقائق بالرغم من شدة وضوحها وقربها.

قال الله تعالى: ]بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الاَوَّلُونَ * قَالُوا أءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً ءَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إنْ هَذَآ إِلآَّ أَسَاطِيرُ الاَوَّلِينَ[ (المؤمنون/81-83)

لقد زعموا بأن هذه الحقيقة هي من الأفكار المتخلفة، ونسوا أن مبدأهم كـان من التراب، وإن الذي خلقهم أول مرة لقـادر على بعثهم مـن التـراب مرة أخرى.

الحياة الآخـرة

قال الله سبحانه: ]وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الأَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[ (العنكبوت/64)

إن الحياة الدنيا بصورتها العادية، ومقوماتها، وأبعادها المادية، مجرد لهو أو لعب بلا هدف. فالأهداف الجدية ترتبط جديتها بمدى ارتباطها بالحياة الآخرة، والقضايا الغيبية.

وفي الدار الآخرة تتوفر جميع مقومات الحياة من الخلود الأبدي، واللذات الجمة، والراحة النفسية الممتزجة بالطمأنينة.. فيتخلص المؤمن من هموم الدنيا ومشاغل الحياة.

يوم ينتظرك

لا يتخلص الإنسان من حب الدنيا إلاّ بذكر الآخرة؛ فمن اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار هانت عليه مصيبات الحياة.

قال الله تعالى: ]وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً * إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِـرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ  مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِـذٍ لَخَبِيـرٌ[ (العاديات/1-11)

ذلك يوم ينتظرنا جميعاً، حيث تثار فيه القبور لاستخراج ما فيها. ويومذاك يحشر الناس للحساب، وتشهد عليهم جوارحهم، وتظهر ما في جوانحهم، وتبلو السرائر، وتسقط الأقنعة، ويعرف الإنسان مدى خسارته لفرصة العمر إذ لم يزك نفسه من حب الدنيا وبهارجها. وهنالك يعلم الناس يقيناً أن الله تعالى محيط بهم.

وهكذا نرى الايمان بالآخرة وتذكر الحساب فيها كيف يكبح جماح شهوات الدنيا عند البشر.

وعـد الله

إن النفس البشرية لا ترى بطبعها إلاّ ما أمامها من الحقائق المشهودة، ولا تتأثر بالمستقبل البعيد حتى ولو كان من الحقائق المعلومة يقيناً. وبضغط من الشهوات العاجلة، وبوساوس إبليس تعرض النفس عن الغيب للشهود، وعن المستقبل للحاضر. ولابد من تصوير الغيب، وإبراز مشاهد من المستقبل حتى تهتم النفس بها. ولعل منهج القرآن في تصوير مشاهد البعث والجزاء باستثارة قوة الظن والخيال يتم لهذه الغاية. فهو ليس مجرد اُسلوب في البيان، بل هو منهج علمي لاصلاح النفس وإيجاد التوازن بين قوة الشهود وحقائق الغيب، وإنما المؤمنون هم الذين يستشرفون المستقبل، وينظرون الى الغيب بقوة الظن، ويستثيرون كوامن الخوف والرجاء بالتذكرة الذاتية.

والسياق القرآني في سورة يس يصور لنا جانباً من مشاهد الهلاك ثم النشور والجنة والنار.

قـال الله تعالى: ]مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُـمْ يَخِصِّمُونَ[ (يس/49)

إنهم يستعجلون العذاب، ويقولون: متى هذا الوعد؟ بلى؛ ولكنهم ينتظرون بذلك أمراً عظيماً، إذا جاء لا يمكن رده أو تأجيله، فانما هو صيحة واحدة لا ثانية لها، لأنها القاضية، وهي تعمهم بالأخذ بغتة في وقت تراهم يخوضون في جدلياتهم التي لا تغني شيئاً.

ثم يقول ربنا عز وجل: ]فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلآ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ[ (يس/50)

وهذه المباغتة سريعة الى درجة أنها تمنعهم من أن يخلفوا وصيّتهم، بالرغم من أنهم لا يعودون الى أهلهم، فهم أحوج ما يكونون الى التوصية.

بعد ذلك يقول ربنا سبحانه: ]وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ[ (يس/51-52).

ويمكث الناس في قبورهم ما شاء الله، حتى ينفخ في الصور الملك الكريم اسرافيل؛ وبمجرد النفخ تراهم يسرعون الى ربهم، حيث وضع الميزان العادل. وهنالك يعترف هذا الإنسان الخصيم الذي استهزأ بكل المرسلين، وأعرض عن كل الآيات، وينادي بالويل لنفسه، ويزعم أنه كان نائماً، ويتساءل: أية قدرة استطاعت بعثه من محل نومه بعد طول الرقاد؟! فيأتيه الجواب: ]هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ[.

الساعة آتيـة

كل إنسان مفطور على الإيمان بالبعث؛ ولكن بما أنه معرض لوساوس الشيطان، فهو يكفر إن لم يحاول قمع تلك الوساوس.

فإذا اعترى الإنسـان ريب من البعث، فلينظر الى ماضيه، وهـل باستطاعته أن يقول: إن الله لا يقدر على خلقه من جديد؟ فكيف – إذاً- خلقه أطواراً؟

قال الله تعالى: ]يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّـا خَلَقْنَاكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَـةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَـةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الاَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّـن يُـرَدُّ إِلَـى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الاَرْضَ هَامدَةً فـإِذَآ أَنزَلْنَـا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَـزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُـلِّ زَوْجٍ بَهِيـجٍ[ (الحج/5)

خلق الله الإنسان من تراب، ثم من نطفة، فعلقة فمضغة. وبعد الولادة كان في حالة تطور؛ فمن الطفولة الى الشباب، الى الهرم، الى الوفاة. وهذا التطور يسير حسب قانون وتدبير رشيدين، من لدن إله حكيم قدير.

فلكي تعرف مستقبلك انظر الى بداية خلقك، فبعد أن كنت ضعيفاً في رحم أمك قويت، وسوف تعاد كذلك في أرذل العمر. أوليس الذي أنشأك في ظلمات الأرحام، وفي الحياة خلقاً بعد خلق بقادر على إنشائك من بعد موتك؟!

قال الله تعالى: ]ذَلِكَ بِاَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ[ (الحج/6-7)

وصفوة القول؛ إن الآيات المتقدمة تدعونا إلى أمرين؛ الأول: الى الايمان بقدرة الله تعالى. الثاني: إلى الايمان بيوم القيامة. ذلك إن الايمان بقدرة الله هو الطريق للايمان بالبعث، فكلما شككنا في البعث لابد أن ننظر إلى آيات قدرة الله، لأن الشك في البعث ناتج من الشك في أسماء الله سبحانه. أما من يعرف الله حقاً فانّه لا يشك في البعث.

خلقاً جديداً

إن الإيمان بالآخرة ضمان للتفكير السليم في الحياة؛ وإن الكفار لم يكتفوا بانكار الآخرة، وإنما كانوا يسعون لتبرير اعتقاداتهم بأفكار سخيفة وشبهات واهية، منها الشبهة التالية: ]وَقَالُوا أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً[ (الاسراء/49).

فكيف يبعث الإنسان وقد أضحى رفاتاً؟ هذا ما كان يتساءل الكفار عنه مستنكرين، فأجابهم الله تعالى: ]قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً * أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً[ (الاسراء/50-51) وبديهي أن الخلق ثانية أهون من الخلق ابتداءً.

وأجاب القرآن عن شبهتهم بأن كلامهم يخضع لمقاييس المخلوقين، أما الخالق فهو على كل شيء قدير.

مستوى اليقين

وقال عز وجل: ]وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[ (البقرة/4)

الإيمان الذي يتحلّى به المتقون، هو إيمان كامل لا يقتصر على بعض الحقائق فقط، وينحسر عما يخالف الأهواء؛ إنما هؤلاء يؤمنون بما أُنزل الى الرسول من كتاب وبما أُنزل على الرسل من قبل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، لا يفرقون بينهم، وإيمانهم بالآخرة راسخ يصل الى مستوى اليقين، فاذا بهم مطهرون من أي شك في يوم الجزاء. بذلك تتكامل عقائد المتقين؛ الإيمان بالله.. ثم الإيمان بالرسالات ثم الإيمان بيوم القيامة. وبالطبع الإيمان بالرسالات يدعونا الى الإيمان بخلفاء الرسل وبامتداداتهم، كما أن الإيمان بيوم الميعاد يأتي نتيجة للإيمان بعدالة الله. وهذه هي أصول الدين الأساسية التي تشكل جوهر شخصية المؤمن.

 

البعث والنشور في السنة الشريفة

قال الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام:

"أيها الناس اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودُّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذّركم الله نفسه. ويحك يا ابن آدم الغافل وليس مغفولاً عنه، إن أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً، يطلبك ويوشك أن يدركك، فكأن قد أوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك وصيّرت الى قبرك وحيداً، فردَّ إليك روحك واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك. ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، وعن عمرك فيما أفنيت، وعن مالك مِن أين اكتسبته وفيما أنفقته. فخذ حِذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار، فإن تك مؤمناً عارفاً بدينك متبعاً للصادقين، موالياً لأولياء الله، لقَّاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب وبُشِّرت بالجنة والرضوان من الله، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان، وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودحضَت حجتك، وعييت عن الجواب، وبشّرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب بنـزل من حميم وتصلية جحيم.

واعلم يا ابن آدم إن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب، يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود يجمع الله فيه الأولين والآخرين، يوم ينفخ في الصور ويبعثر فيه القبور، ذلك يوم الآزفة، إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم لا تقال فيه عثرة ولا تؤخذ من أحد فدية ولا تُقبل من أحد معذرةٌ، ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلاّ الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده". ([66])

آية للنـاس

روي عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في خبر طويل يذكر فيه قصّة بخت نصر أنّه لمّا قتل ما قتل من بني إسرائيل خرج إرميا على حمار ومعه تين قد تزوّده وشيء من عصير، فنظر إلى سباع البرّ وسباع البحر وسباع الجوّ تأكل تلك الجيف ففكر في نفسه ساعـة ثم قال: أنّى يحيي الله هؤلاء وقد أكلتهم السباع؟ فأماته الله مكانـه وهو قول الله تبارك وتعالى: ]أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَاَمَاتَهُ اللّـهُ مِاْئَـةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ[ أي أحياه، فلمّا رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت نصر ردّ بني إسرائيـل إلى الدنيا، وكان عزير لمّا سلّط الله بخت نصر على بني إسرائيل هرب ودخل في عين وغاب فيها وبقي إرميا ميّتاً مائة سنـة ثمَّ أحياه الله، فأوّل ما أحيا منه عينيه في مثل غرقئ البيض فنظر، فأوحى الله تعالى إليه: ]كَمْ لَبِثْتَ[؟ قال: ]لَبِثْتُ يَوْماً[، ثم نظر إلى الشمس قد ارتفعت فقال: ]أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ[، فقال الله تبارك وتعالى: ]بَل لَبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ[ أي لم يتغيّر ]وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُـمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً[ فجعل ينظر إلى العظام البالية المنفطرة تجتمع إليه، وإلى اللّحم الذي قد أكلته السباع يتألّف الى العظام من ههنا وههنا ويلتزق بها حتّى قام وقام حماره فقال: ]أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[. ([67])

يـوم الأزفـة

قال الإمام علي بن الحسين عليهما السلام: واعلم يابن آدم إن وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب، يوم القيامة، وذلك يوم الأزفة ]إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ[ (غافر/18). ([68])

قيام الساعـة

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: قال عيسى عليه السلام لجبرئيل: متى قيام الساعة؟ فانتفض جبرئيل انتفاضة اُغمي عليه منها، فلما أفاق قال: يا روح الله؛ ما المسؤول أعلم بها من السائل، وله من في السماوات والأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة. ([69])     

يحيي العظـام

عن الحلبي، عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: جاء أبي بن خلف فأخذ عظماً بالياً من حائط ففته، ثم قال: يا محمد؛ إذا كنا عظاماً ورفاتاً، أإنا لمبعوثون خلقاً؟ فأنزل الله ]قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَاَهآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ[ (يس/78-79). ([70])

يعيده كما بدأه

عن هشام بن الحكم أنّه قال الزنديق للإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: أنّى للروح بالبعث والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرّقت؟ فعضو في بلدة تأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزّقه هوامّها، وعضو قد صار تراباً بني به مع الطين حائط؟ قال: إنَّ الذي أنشأه من غير شيء وصوّره على غير مثال كان سبق إليه قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك. قال: إنَّ الروح مقيمة في مكانها؛ روح المحسنين في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير تراباً منه خلق، وما تقذف به السباع والهوامّ من أجوافها فما أكلته ومزّقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة في ظلمات الأرض ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وإنّ تراب الروحانيّين بمنـزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض فتربوا الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللّبن إذا مخض، فيجتمع تراب كلّ قالب فينتقل بإذن الله تعالى إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئتها وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً. ([71])

خلقت للآخـرة

إن مشكلة الإنسان هي أنه قد ينغمس في زخارف الدنيا وزبرجها الى حد كبير، بحيث ينسى أنه مسافر في هذه الدنيا وليس خالداً فيها، وينسى أن الموت ينتظره لكي ينقله الى دار الآخرة. ففي كتابه الى الإمام  الحسن عليه السلام، قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: "واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا، وللفناء لا للبقاء، وللموت لا للحياة، وأنك في منـزل قلعة ودار بلغة وطريق الى الآخرة". ([72])

وقال عليه السلام أيضاً: "إنك مخلوق للآخرة فاعمل لها". ([73])

وقال عليه السلام: "غاية الآخرة البقاء". ([74])

وقال عليه السلام: "وأكثر ذكر الآخرة وما فيها من النعيم والعذاب الأليم، فان ذلك يزهدك في الدنيا ويصغرها عندك". ([75])

وقال عليه السلام: "طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب". ([76])

نفسك بيد غيـرك

لقد جعل الله النوم واليقظة آيتين على الموت والبعث، يعايشهما الإنسان كل يوم لعله يتذكر القيامة، ويعرف أن نفسه بيد غيره، فيكيف حياته وفق هذه الحقيقة الكبرى. قال الإمام محمد الباقر صلوات الله عليه: "كان فيما وعظ به لقمان عليه السلام إبنه، أن قال: يا بني إن تك في شك من الموت فارفع عن نفسك النوم ولن تستطيع ذلك، وإن كنت في شك من البعث فارفع عن نفسك الانتباه ولن تستطيع ذلك. فإنك إذا فكرت في هذا، علمت أن نفسك بيد غيرك، وإنما النوم بمنـزلة الموت، وإنما اليقظة بعد النوم بمنـزلة البعث بعد الموت". ([77])

من كان همه الآخـرة

ولأن الدنيا مزرعة الآخرة، وتكتسب قيمتها من حجم العمل الذي يقدمه الإنسان لعالم الخلود، فإن عليه أن يجعل الآخرة فوق كل همومه في الحياة حتى لا ينسى دوره الحقيقي هنا. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "من أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه، جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه. ومن أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه، جعل الله الفقر بين عينيه، وشتت عليه أمره، ولم ينل من الدنيا إلاّ ما قسم له". ([78])

وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "أفضل المسلمين إسلاماً من كان همه لاُخراه، واعتدل خوفه ورجاه". ([79])

من آثر الدنيا على الآخـرة

ويحذّرنا الإمام علي بن الحسين عليه السلام من الغفلة عن الآخرة، إذ الغفلة عنها تستعقب الندم والحسرة يوم لا ينفعان الانسان شيئاً. يقول الإمام عليه السلام: "فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة، والقدوم على الله، والوقوف بين يديه. وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلاّ الى عذابه، وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلاّ ساء منقلبهم وساء مصيرهم". ([80])

وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "من آثر الدنيا على الآخرة حشره الله يوم القيامة أعمى". ([81])

وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "حصلوا الآخرة بترك الدنيا". ([82])

إذا كان يوم القيامـة

وفي القيامة يُسأل العبد عن كل صغيرة وكبيرة بدرت منه في الحياة الدنيا، إلاّ أن هناك خطوطاً رئيسية حددتها الروايات يتم التركيز عليها أكثر من غيرها، لأنها تشكل المفاتيح الرئيسية لحياة الإنسان. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد حتى يسأل عن أربع؛ عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعما اكتسبه من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت". ([83])

اقرء كتابـك

عن خالد بن نجيح، عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة رفع الإنسان كتابه، ثم قيل له: اقرءه. قلت: فيعرف ما فيه؟ فقال: إنه يذكره؛ فما من لحظة ولا كلمة ولا نقل قدم إلاّ ذكر كأنه فعله تلك الساعة، فلذلك ]وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلآَّ أَحْصَاهَا [ (الكهف/49) ([84])

قيامة المتقيـن

وتختلف انعكاسات يوم القيامـة على الأشخاص حسب اختـلاف أعمالهم ومواقفهم في الدنيا، فهي للمتقين تختلف عنها للمنافقين. وقـد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: "القيامة عرس المتقين". ([85])

بالدنيا تحرز الآخـرة

والذين يمقتون الدنيا يخطأون في موقفهم هذا، إذ ان الدنيا هي في الحقيقة وسيلة الحصول على الفلاح في الآخرة. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "بالموت تختم الدنيا، وبالدنيا تحرز الآخرة، وبالقيامة تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين". ([86])

الآخرة أمامـك

وعلى المؤمن أن يستعد للقاء ربه، والاستعداد يعني العمل الايجابي والاجتهاد الحثيث للحصول على الدرجات الرفيعة هناك. يقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: "استعدوا ليوم تشخص فيه الأبصار، وتتدله لهوله العقول، وتتبلد البصائر". ([87])

وقال عليه السلام: "اعملوا ليوم تدخر له الذخائر، وتبلى فيه السرائر". ([88])

وقال عليه السلام: "إحذروا يوماً تفحص فيه الأعمال، وتكثر فيه الزلزال، وتشيب فيه الأطفال". ([89])

لا أنساب بينهـم

في كتاب المناقب لابن شهر آشوب في مناقب زين العابدين عليه السلام، قال طاوس الفقيه: رأيته يطوف من العشاء الى السحر ويتعبد، فلما لم ير أحداً رمق الى السماء بطرفه وقال: إلهي غارت نجوم سماواتك، وهجعت عيون أنامك، وأبوابك مفتحات للسائلين، جئتك لتغفر لي وترحمني وتريني وجه محمد صلى الله عليه وآله في عرصات القيامة. ثم بكى وقال: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليَّ، فأنا الآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني؟ فوا سوأتاه غداً من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين جوزوا، وللمثقلين حطوا. أَمَعَ المخفين أجوز، أم مع المثقلين أحط؟ ويلي كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحي من ربي. ثم بكى وأنشأ يقول:

أتحرقني بالنار يا غايـة المنـى              فأين رجائـي ثم أيـن محبتـي

أتيت  بأعمال قبـاح رديـة    وما في الورى خلق جنى كجنايتي

ثم بكى وقال: سبحانك تعصى كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص، تتودد الى خلقك بحسن الصنيع كأن لك الحاجة إليهم، وأنت يـا سيدي الغني عنهم. ثم خرّ الى الأرض ساجداً قال: فدنوت منـه وشلت رأسه فوضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خـده، فاستوى جالساً وقال: من الذي أشغلني عن ذكر ربي؟ فقلت له: أنا طاوس يا ابن رسول الله، ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا ونحن عاصون جافون؟ أبوك الحسين بن علي وأمّك فاطمة الزهراء وجدك رسول الله! قال: فالتفت إليَّ وقال: هيهات هيهات يا طاوس دع عنّي حديث أبي وأمّي وجدّي، خلق الله الجنة لمن أطاع وأحسن ولـو كـان عبداً حبشيّاً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان ولداً قرشيّاً. أما سمعت قول الله تعالى: ]فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسآءَلُونَ[ والله لا ينفعك غداً إلاّ تقدمة تقدمها من عمل صالح. ([90])



 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحكام التقليـد والبلوغ

 



 

 

 

 

 

العلماء في الكتاب والسنة

أولاً: القرآن الكريم

- من هم العلماء الذين يجب علينا إتباعهم والسير على هداهم في الحياة الدنيـا؟

- فهل تكفي صفة العلم والمعرفة وحدها، أم أن هناك صفات اُخرى ينبغي أن تتوفـر فيهم حتى يكونوا مؤهلين لقيادة الناس، وحتى تطمئـن الأمـة إلى توجيهاتهم، وتثق بمواعظهم؟ 

في القرآن الكريم آيات كثيرة تشير إلى صفات العلماء، وتوحي بصراحة إلى أن العلم وحده ومن دون هذه الصفات الأساسية لا يُجدي نفعاً. لنتلو معاً بعض هذه الآيات ونستلهم منها مواصفات العلماء بالله.. الامناء على دينه:

1- التهجـد

قال الله سبحانه: )أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَيَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُواْ الاَلْبَابِ( (الزمر/9)

من صفات العالم بالله ظهور علمه على سلوكه، ومن ذلك قيامه بالليل وتهجده بين يدي الله، وبذلك نستدل على أنه يحذر الآخرة فعلاً ويرجو رحمة ربه. فعالم الدين يجعل سواد الليل وهدوءه مطيّة رحلته التكاملية إلى العلم الحق، ولا يكتفي بمجرد قراءة الكتب، وإنما يتوغل في عمق الحقيقة بتزكية النفس وقيام الليل.

2- الاستغفـار

)فَاعْلَمْ أَنَّهُ لآ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ  يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ( (محَمد/19)

ومن صفات العالم بالله أنه يجعل الاستغفار شعاره الدائم، ضماناً لتواضعه في كل حال، وإلا فإن معلوماته البسيطة تصبح مادة لاستكباره وتجبّره على الناس، وبالتالي تصبح حجاباً بينه وبين ربه والعياذ بالله.

وينبغي أن يبدأ المستغفر بنفسه ويتوب إلى الله من ذنبه، ثم يستغفر للمؤمنين والمؤمنات .

3- الربّانيـة

)مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( (آل عمران/79)

ينبغي أن يكون العالم ربانياً، أي: يذكرك بالله منظره، ويزهدك في الدنيا عمله. إنه لا يدعو إلى نفسه ولا إلى ما يرجع إليها من التحزبات الجاهلية والعصبيات القومية والعشائرية وغيرها، ولا يجعل الدين وسيلة لتكريس ذاته أو مصالحه، بل يدعو إلى عبادة الله فحسب.

4 - الاستقلال والوحـدة

)وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ( (الشورى/14)

)وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ( (الرعد/37)

)أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ( (البقرة/75)

من صفات علماء الدين الصادقين إتباعهم للنصوص وعدم تحريفهـا حسب أهوائهم وأهواء الناس الذين يبغون رضاهم لسبب أو آخـر، ونستفيد من ذلك:

أولاً: إن على العلماء وحملة الرسالة الإلهية أن يستعينوا بالله تعالى ويتوكلوا عليه في بناء صرح إستقلالهم في كل الحقول، حتى لا يتبعوا حاكماً خشية سطوته، ولا غنياً طمعاً في ماله، ولا رعاع الناس رغبة في رضاهم.

ثانياً: ولا يكون ذلك إلا بالمحافظة على وحدة صفوفهم، والرجوع إلى ما عندهم من علم لحل خلافاتهم والا يبغوا بينهم.

ثالثاً: كما أن الزهد في درجات الدنيا، والقناعة في معاشهـم، والاجتهاد في مساعيهم، يخفف من حاجتهم للناس.

رابعاً: على الناس أن ينفقوا على العلماء لكي يبقوا مستقلين عمن يريد التأثير عليهم من الأثرياء والحكومات.

خامساً: وعلى العلماء أن يتسلّحوا بكل ما يحصنهم ضد الخضوع للأقوياء من: التقاة والكتمان ، ومن الشجاعة وروح التحدي، ومن الصبر والاستقامة.

5 -  يخشون ربهـم

)وَمِنَ النَّاسِ  وَالدَّوَآبِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ * إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ اُجُورَهُمْ  وَيَزِيدَهُم مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ( (فاطر/28-30)

العلماء يخشون الله حق خشيته ولذلك فهم يعبدونه حق عبادته ويجاهدون في سبيله حق جهاده. صحيح إن جميع المؤمنين يخشون الله، ولكن خشية العلماء من نوع آخر، لأنهم يعرفون آيات الله ، وبالتالي فإنهم يعرفون ربهم من خلال معرفة هذه الآيات. فما هي مواصفات العلماء الذين يخشون الله؟.

القرآن الكريم يذكر لنا هذه الصفات الواحدة بعد الاخرى. فالصفة الاُولى هي تلاوة الكتاب، وهذا يعني أن علمهم مستلهم من نبع القرآن الصافي، ثم إنهم يتفاعلون مع هذا العلم فيستوعبونه ليدخل كل أنحاء وجودهم: أنفسهم، وأفكارهم، وعقولهم، ومشاعرهم، وعواطفهم، ولذلك لا يلبثون أن يخشعوا لله بمجرد رؤية آية من آيات قدرته العظيمة.

ثم يذكر القرآن الصفة الثانية وهي: إقامة الصلاة، فالإنسان الذي يتلو كتاب الله ويرى في هذا الكتاب آيات ربه ونوره لا يملك إلا أن يخشع، فتدفعه هذه الخشية إلى إقامة الصلاة.

أما الصفة الثالثـة فهي إلانفاق سراً وعلانية: )وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً( وفائدة الإنفاق في السـرّ هي أنه يربي الإنسان علـى الاخلاص لله عز وجل.

6- سعة الصـدر

)فَبِمَـا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(  (آل عمران/159)

من أبرز صفات القائد، أي قائد (سواء كان مرجعاً دينياً، أو قائداً سياسياً) سعة الصدر، والقدرة على تحمّل الناس، بما فيهم من سوء خلق وتناقض وجهل وانحراف واختلاف.

وسعة الصدر بدورها لا تتوفر للقائد إلاٍّ إذا كان هادفاً، يحمل في قلبـه رسالة عظيمة يستهين من اجلها بالصعوبات التي يلاقيها من قبـل الناس: )فَبِمَـا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ… ( .

ويجب أن يربي القائد والعالم الرباني نفسه على صفة الليونة حتى لا تفلت منه كلمة نابية فيجر قومه إلى شرٍ مستطيرٍ. والليونة تعني الصفات التالية:

)فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ…َ( .

فالناس قد تكون فيهم صفات سيئة وأعمال خاطئة، وعلى القائد أن يصلحها ولكن بالحكمة.

ذلك إن هذه الصفات إنما هي نتيجة ظروف تربوية واجتماعية واقتصادية معينة ، فلا يتحمل الفرد كل مسؤولياتها، وبالاضافة إلى ذلك فإن رؤية الفرد إلى تلك الصفات والاعمال قد لا تكون مثل رؤية القيادة فعليها أن تصلح رؤيتهم قبل إصلاح صفاتهم أو أعمالهم.

من هنا يجب أن تتعود القيادة على العفو، ولكن لا يعني العفو السكوت إلى الأبد عن الإنحراف، بل يجب العمل من أجل إصلاحه ، وذلك بالاستغفار (طلب الغفران من الله).

والدعاء بالمغفرة كأي دعاء آخر يجب أن يقارن بعمل مناسب، وهو محاولة الإصلاح .

ثم إن القيادة يجب أن تقوم برفع مستوى الناس وذلك عن طريق التشاور، إذ أن التشاور يجعل الناس يتحسسون بمسؤولياتهم فيفكرون في شؤونهم بجدية أكثر ، ويحاولون إصلاح أنفسهم بأنفسهم، كما أن القائد يبين للناس بالتشاور مختلف وجوه الأمر، مما يزيد معرفتهم بالحياة ويجعلهم أكثر إحساساً بواجباتهم تجاهها.

7- خفض الجنـاح

)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( (الشعراء/215)

فخفض الجناح، أي الرحمة والعطف والصفاء هي أخلاق القيادات بالنسبة إلى اتباعهم وليس الفظاظة والانكفاء والترفع.

وهكذا ينبغي على القيادات الإسلامية، وبالذات على المراجع والعلماء أن يحافظوا على هذا الخلق النبوي العظيم في علاقاتهم مع أتباعهم ومقلديهم، ويخفضوا لهم اجنحة الرحمة، ويشاركوهم في أفراحهم وأتراحهم ويشاوروهم في السراء والضراء، ويزدادوا تلاحماً واندماجاً معهم. ولا شك إن هذه الاخلاق الكريمة هي أكثر تأثيراً في استقطاب الناس نحو الالتزام الديني واتباع تعاليم الشريعة من الدعوة اللسانية والتبليغ الكلامي.

ثانياً: السنة الشريفة

من خلال نظرة فاحصة في الروايات نجد أن الأحاديث الشريفة تقسم العلماء إلى علماء صادقين، وعلماء السوء، وتعدّد مواصفات كثيرة لكل من الفريقين، وإن الكثير من الروايات توجه الخطاب للناس وتحمّلهم مسؤّولية البحث عن العلماء الصادقين ، وهذا يعني أن المجتمع ينبغي أن لا يقف موقف اللامبالاة من تقييم القادة، بل عليه أن يكون يقضاً وحذراً حتى لا يسقط في شباك علماء السوء، وبالتالي فإن الناس يتحملون مسؤولية كبرى في اختيار العالم الصادق العادل، والتأكد من توفر المواصفات الايجابية المطلوبة فيه ومن ثم إتباعه بكل طمأنينة وثقة في اُمور الدين والدنيا.

فعلى المؤمن أن يستوعب موازين الشرع فيطبقها على الرجال، فلا يحب أحداً ولا يتبعه ولا يطيعه إلاّ حسب تلك الموازين، ولا ينخدع بالدعاية لهذا أو ذاك، ولا يجعل الرجال - أنّى كانـوا - ميزاناً للحق، وليعلم إن الذين أشركوا بالله وجعلوا لله أنداداً، إنما إنزلقوا إلى درك الشقـاء بهذه الطريقة، فأطاعوا آباءهم أو مجتمعهم أو كبراءهـم، أو علماءهم، دون أن يفتحـوا أعينهم ويحكموا عقولهم وموازين دينهـم، فضلّوا عن السبيل وكانوا مستبصرين.

فلنستعرض معاً بعض الروايات التي توضح لنا الموازين في هذا المجـال:

1- علماء السـوء

روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "ويل لاُمتي من علماء السوء، يتخذون هذا العلم تجارة يبيعونها من اُمراء زمانهم ربحاً لأنفسهم، لا أربح الله تجارتهم". ([91]) 

فالعالم الصادق مستقل عن القيادات السياسية، ولا يتبع أهواءهم ، ولا يسترضيهم بمواقفه وآرائه، ولا يطمع بما في أيديهم من حطام الدنيا. أما الذي يتاجر بما أوتي من العلم ويشتري به مصالحه الذاتية فليس جديراً بالإتباع من قبل أبناء المجتمع.

2- العلماء قسمان

وفي حديث آخر نجد الإشارة إلى القسمين من العلماء في وقت واحد لكي يستطيع الناس من المقارنة واختيار العالم الرباني. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "علماء هذه الاُمة رجلان: رجل آتاه الله علماً فطلب به وجه الله والدار الآخرة، وبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشترِ به ثمناً قليلاً، فذلك يستغفر لـه من في البحور ودواب البحر والبر والطير في جو السماء، ويقدم على الله سيداً شريفاً. ورجل آتاه الله علماً فبخل به على عباد الله ، وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً قليلاً، فذلك يُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار، وينادي ملك من الملائكة على رؤوس الأشهاد: "هذا فلان بن فلان آتاه الله علماً في دار الدنيا فبخل به على عباده" حتى يفرغ من الحساب. ([92])

3- شرار العلماء وخيارهم

ولأن للعلماء تأثيراً مصيرياًًً على مسيرة المجتمعات فإنهم يتميزون عن سائر الفئات، فشرارهم شر من كل شر، وخيارهم خير من كل خير. قال النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا إن شر الشر، شرار العلماء، وإن خير الخير، خيار العلماء".([93])

وقيل للنبي صلى الله عليه وآله: أي الناس شر؟ قال: "العلماء إذا فسدوا". ([94])

وقيل للإمام أمير المؤمنين عليه السلام: مَنْ خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى؟ قال: "العلماء إذا صلحوا". قيل: ومَنْ شر خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود، وبعد المتسمّين بأسمائكم…؟ قال: "العلماء إذا فسدوا، هم المُظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق".([95])

4- إحذروهم

ويأمرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أن نتسلّح بالحذر على أدياننا تجاه شريحة معينة من الفقهاء، حيث قال: "الفقهاء اُمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا". قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: "إتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على أديانكم". ([96])

5 - العالم بلا هدى

والعلم سلاح ذو حدين قد يؤدي إلى إقتراب الإنسان من الله وتساميه في درجات الرفعة والعلو، وقد يؤدي إلى إبعاده عن الله مسافات واسعة، والرسول الكريم صلى الله عليه وآله يحدد لنا مقياس هذه الحقيقة ، حيث يقول: "من ازداد علماً ولم يزدد هدىً، لم يزدد من الله إلا بُعداً".([97])

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت اُُمتي وإذا فسدا فسدت اُمتي" قيل:  يا رسول الله ومَنْ هما؟ قال: "الفقهاء والاُمراء".([98])

6- آفات العلمـاء

ويعطينا الإمام الصادق عليه السلام قائمة بالآفات التي قد تصيب العلماء فتخرجهم من زُمرة الصادقين إلى فئة علماء السوء، حيث يقول: "آفة العلماء ثمانية أشياء: الطمع والبخل والرياء والعصبية وحب المدح، والخوض فيما لم يصلوا الى حقيقته، والتكلف في تزيين الكلام بزوائد الالفاظ، وقلة الحياء من الله ، والافتخار، وترك العمل بما علموا".([99])

7- العلماء الصادقـون

أما العلماء الصادقون والفقهاء العدول الذين يجدر بالناس اتباعهم فلهم مواصفاتهم المتميزة التي تتحدث عنها الروايات أيضاً:

روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: "الفقيه كل الفقيه مَنْ لم يُقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم مِنْ رَوْح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله".([100])

فإذا كان اليأس من رحمة الله، والأمن من عذاب الله، إذا كان ذلك من الذنوب الكبيرة، فإن مسؤولية الفقيه العدل أن يبث روح الأمل في الناس من جهة، وأن يذكرهم بمكر الله وعقابه ، وبذلك يجعلهم بين الخوف والرجاء فينطلقون بروح وثّابة لبناء الدنيا والآخرة.

وفي حديث آخر، يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في بيان مواصفات الفقيه حقاً: "ألا أُخبركم بالفقيه حقاً؟" قالوا: بلى، يا أميـر المؤمنين، قال: "مَنْ لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه". ([101])

8 - تقربوا منهم

ويحرّض النبي الكريم صلى الله عليه وآله، المؤمنين على التقرب من العلماء الصادقين الذين يهتمون بإصلاح مسيرة المجتمع، ويعملون على تغيير سلبياته إلى إيجابيات يرضاها الله والرسول، فيقول صلى الله عليه وآله: "… وتقربوا إلى عالم يدعوكم من الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الشك إلى اليقين، ومن الرغبة إلى الزهد، ومن العداوة إلى النصيحة. ولا يصلح لموعظة الخلق إلاّ من خاف هذه الآفات بصدقه، وأشرف على عيوب الكلام، وعرف الصحيح من السقيم، وعلل الخواطر، وفتن النفس والهوى". ([102])

9- مداد العلماء

وكما تتخذ الأحاديث الشريفة موقفاً سلبياً عنيفاً ضد علماء السوء، لأنهم يقودون المجتمع إلى الهاوية، فإنها تشيد بالعلماء الصادقين والفقهاء العدول وتجعلهم في أرفع درجة بالقياس إلى سائر فئات المجتمع، لأنهم يقودون الناس إلى الفلاح والفوز والتقدم.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء". ([103])

10- فضل العالم

ويروي الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي الكريم صلى الله عليه وآله: "إن فضل العالم على العابد كفضل الشمس على الكواكب، وفَضل العابد على غير العابد كفضل القمر على الكواكب". ([104])

وقال النبي صلى الله عليه وآله: "ساعة مِنْ عالم يتكي على فراشه ينظر في عمله (أو علمه) خير من عبادة العابد سبعين عاماً". ([105])

وجاء في الحديث عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام: "فقيه واحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه، أشد على إبليس من ألف عابد، لأن العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا همه مع ذات نفسه، ذات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته، فذلك هو أفضل عند الله من ألف ألف عابد وألف ألف عابدة". ([106])

11- ورثة الأنبياء

وقال الإمام الصادق عليه السلام:"إن العلماء ورثة الأنبياء، وذاك إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظاً وافراً، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه، فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". ([107])

12- إكرام العلماء

وكما تؤكد الروايات على ضرورة أخذ الحيطة والحذر من علماء السوء، والابتعاد عنهم ورفضهم وعدم التأثر بهم، كذلك تؤكد على المؤمنين أن يوقروا العلماء الصادقين ويكرموهم، ويلتفوا حولهم، ويمنحوهم مكانة خاصة في المجتمع.

يقول إسحاق بن عمار أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام عن من قام من مجلسه تعظيماً لرجل، فقال الإمام: "مكروه، إلا لرجل في الدين". ([108])

وقال عليه السلام أيضاً: "من أكرم فقيهاً مسلماً لقى الله يوم القيامة وهو عنه راض، ومن أهان فقيهاً مسلماً لقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان". ([109])

13- واجب الناس: الإتباع

وهؤلاء العلماء هم الذين ينبغي إتباعهم والسير على خطاهم وتقليدهم اُمور الدين والدنيا. يقول الحديث المشهور المروي عن الإمام العسكري عليه السلام: "… فأما مَنْ كان مِنْ الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلاّ بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم…؟ ([110])

14- الاتّّعاظ بهـم

وهكذا يأمرنا الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أن نستضيء بنور كل عالم صادق متعظ، وأن نقبل نصحه ووعظه حيث يقول: "إستصبحوا من شعلة واعظ متّعظ، واقبلوا نصيحة ناصح متيقظ، وقفوا عند ما أفادكم من التعليم". ([111])

مسؤولية العلماء

1- العلم بالزمان

على علماء الدين أن يتعرفوا على الحياة جيداً ، ليكونوا على معرفـة تامة بشؤون الحياة في مختلف الحقول في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية، وسبل مقاومة الطغاة والظلمة وإقامة العدل والقسط والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعلى علماء الدين التعرف على رأي الاسلام بهذا الركام الضخم من المعلومات التي تزحف إلينا يومياً من الغرب ثم البحث على ضوء ذلك عن حلول للمشاكل الحضارية التي تعيشها بلادنا، كمشاكل التنمية وتحرير الشعوب من الفقر والجهل والحرمان.

وهكذا تكون الولاية للعلماء لأن العالم يعرف الزمان واهله وأحكام الدين في شؤون الحياة.

لذلك فإن المجتهد المتجزئ الذي يتمكن من استنباط الأحكام في بعض أبواب الفقه لا جميعها، انه لا يصلح لمنصب المرجعية العامة، لأن الفقيه المرجع يجب أن يكون فقيهاً مطلقاً.

يقول الإمام الصادق عليه السلام: "العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس". ([112])

وجاء عن الإمام علي عليه السلام: "حسب المرء … من عرفانه، علمه بزمانه". ([113])

وقال أيضاً: "لا يتحمل هذا الأمر إلاّ أهل الصبر، والبصر، والعلم بمواقع الأمر". ([114])

وقال الإمام الرضا عليه السلام حول أوصاف الإمام: "… مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة". ([115])

2- التوجيه الثقافي

ومن مسؤوليات الفقيه العادل وعالم الدين التصدي للتوجيه الثقافي في الاُمة بكامل مسؤولياته وأعبائه وتحدي عقباته.

ذلك لأن الثقافة الإسلامية هي وحدة متناسقة تجري فروعها على اُصولها، وتشهد اُصولها على فروعها، ولابد أن يكون الموجّه الثقافي محيطاً بكل جوانب الثقافة الإسلامية، من هنا كان "الفقه" شرطاً أساسياً للموجّه الثقافي.

ومن الواضح إن المعرفة فقط ليست كافية لإعطاء الاُمة ثقافة صافية، فلابد من وجود "العدالة" التي تحصن المعارف ضد الأهواء النفسية، والانحرافات الخارجية.

إذن فالفقيه العادل هو أجدر مَنْ يقوم بالتوجيه الثقافي للاُمة.

جاء في حديث مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "يحمل هذا الدين – في كل قرن- عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين، كما ينُفي الكير خُبث الحديد". ([116])

3- إدارة المجتمع

وعلى العلماء أن يتصدوا للشؤون العامة، وأن يطالبوا بحقهم في إدارة المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً، رافضين العزلة والانطواء على الذات والابتعاد عن الناس، ولهم في النبي يوسف عليه السلام اُسوة، حيث طالب بحقه في إدارة البلاد حينما وجد الظروف مؤاتية: )قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ( (يوسف/55)

فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم حكام على الملوك، وهم الذين يخشون الله من عباده، وهم الذين مجاري الاُمور بأيديهم.

4 - الاعلان عن الحق

ومن المسؤوليات العظيمة التي يتحملها العلماء إظهار الحق والصدع به لاستقطاب الناس حوله. ذلك لأن كتمان الحق عن الناس مع سبق إرادة وعلم، من الوسائل المستخدمة في نصرة الباطل واعانة الظالمين. قال الله سبحانه: )وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( (البقرة/42)، وقال أيضاً: )يَآ أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( ( آل عمران/71).

وقد يكون كتمان الحق خشية من الطغاة، أو رغبة في رضا الأثريـاء مـن أسباب الضلالة عند البشر، وقـد أخذ الله ميثاق العلماء بأن لا يداهنوا أحـداً في نشر الحق وألاّ يكتمـوه ولا يشتـروا به ثمناً قليـلاً، قـال الله تعالـى: )وإِذْ أَخَذَ اللَّهُ  مِيثَاقَ الَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ( (آل عمران/187)

ومن هذه البصائر القرآنية نستوحي ما يلي:

أولاً: إن منطق العلماء ينبغي أن يكون مشكاة نور الحق، ولو سكت العالم عمّا يحتاج إليه الناس مِنْ بيان آيات الله ، ودلائل صدق الرسالـة والولاية، وفضح البدع وأهلها، وحكم الله في الفتن ومن يدعو إليها، فإن قوام الدين يتـزلزل.

ثانياً: وهكذا تتأكد ضرورة بيان حكم الله في التيارات الثقافية والسياسية الوافدة وفضحها بواسطة العلماء الصادقين. فلو سكت العلماء عن هذه التيارات لبقي الناس في عمى وضلّوا سبيل الهُدى.

ثالثاً: ومن تلك التيارات الضالة والوافدة والتي أثّرت أو تؤثِّر في ثقافة الاُمة، ما نشرت أو تنتشر من الفلسفات اليونانية القديمة أو الاُوروبية الحديثة، والتي تتناقض مع بصائر الوحي.

5 - حفظ الكتاب

وقد حَمَّل الله العلماء (الأحبار) مسؤولية حفظ كتاب الله من التحريف والتزييف، وارتقى بهم إلى درجة الشهادة على الناس في تطبيق الكتاب، فأصبحوا حجة على الناس، ومصدر فتوى، ومرجع تقليد، ومركز الثقل في الاُمة، قال الله تعالى )إِنَّآ أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَآءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِايَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنْزَلَ  اللّهُ فَاُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ( (المائدة/44)

وتتطلب الشهادة على الناس أن يكون العلماء بالله والدعاة إلى الله عارفين بعصرهم وبالحوادث المؤثرة فيه، وأن يزنوا كل الحوادث الواقعة بميزان الوحي ، ويصدعوا بالموقف الديني فيها حتى يظهر الحق، وتتم الحجة والله المستعان.

6- الناس والعلمـاء

وعلى الناس أن يبحثوا عن العلماء الصادقين في تحمل مسؤولياتهم الذين يقولون الحق ولا يخشون أحداً إلا الله، ولا يفتشوا عن علماء يسهلون عليهم الشريعة حسب أهوائهم أو يسترضونهم على حساب دين الله تعالى، فقد أنذر الله سبحانه هذا النوع من العلماء بالويل في قوله عـز وجل: )فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِاَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ  مِمَّا يَكْسِبُونَ( (البقرة/79)

7- الاتباع الشامل

وينبغي إتباع العلماء الربانيين في كل حقول الحياة، حتى تكون صبغة حياة الناس إلهية بعيدة عن الأهواء، إبتداءً من تنظيم الاقتصاد والسياسة، وانتهاءً بإدارة البيت والاُسرة ومروراً بسائر حقول الحياة من تربية وتعليم وتثقيف وإعلام، ومن إدارة البلديات والمرور وما إليها.

اما إتّباع الآباء لأنهم آباء ومن دون ملاحظة قيمة العلم والهدى فهو أمر مرفوض، يقول الله سبحانه وتعالى: ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ  ابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لاَيَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ( (المائدة/104)

8 - الرقابة الاجتماعيـة

وعلى المجتمع الإسلامي النظر في أمر العلماء نظر تمحيص، وكذلك النظر إلى قياداته وموجهيه من الخطباء والكتاب، فلا يسترسل في إتباعهم أو التأثر بهم، بل يمحص بعقله وبموازين دينه أفعالهم وأقوالهم، ويقيِّم مواقفهم بدقة، وإلاّ فإنه قد يضل السبيل ولا يعذر في ذلك عند ربه.

هذه البصيرة نستوحيها من كلمة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حينما يوجه الناس إلى مسؤولياتهم الخطيرة تجاه العلماء ، فيقول: "فاتقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبدين". ([117])

كما نستلهم هذه البصيرة من كلمة الإمام الصادق عليه السلام أيضاً حينما يحرِّض الناس للعمل بمسؤولياتهم في تمحيص العلماء: "إذا رأيتم العاِلم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم ، فإن كل محب يحوط ما أحب". ([118])

ومن جهتهم ينبغي على العلماء ألاّ يسمحوا لبعض أتباعهم بوضعهم فوق مواضعهم، والتعصّب الأعمى لهم، والاسترسال في طاعتهم لأنه مظنّة الضـلالة. هذا ما أوصى به الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مالك الأشتر في عهده إليه، قائلاً: "والصق بأهل الورع والصدق، ثم رُضْهم على ألاّ يطروك ولا يبجحوك ( لا يُفرحوك) بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو، وتدني من العزّة. ([119])

 


 

 

 

 

 

العلاقة بين الناس والـمرجعية

1- يشترك الناس والعلماء في معرفة محكمات الكتاب، والسنة التي لا ريب فيها، وما أجمعت عليه الاُمة من ضرورات الدين؛ مثل إقامة القسط وتجنب الشرك وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

وهذه الحقائق هي النقاط المشتركة بين عامة الناس وهي التي يتحمل الجميع مسؤولية تطبيقها في الواقع سواءً العلماء والعامة، وهي القيم التي تراقب أبناء الاُمة بها حكامها وقادتها وعلماءها فمن شذ منها شذ الى النار.

قـال الله سبحانـه وتعالـى: )يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ( (آل عمران/114)

)الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ ُيؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمآ اُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمآ اُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ( (البقرة/1-5).

)وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ  وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً( (النساء/36)

)يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيرَاً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وإِن تَلْوُو أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا  تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( (النساء/135)

وهكذا تجد في آيات الكتاب تبياناً للسنن الإلهية، وللكلمات والوصايا والأحكام وقد يسّرها ربنا سبحانه للناس لكي يتذكروا.

وهذه هي المثل العليا التي تركزها كلمات الوحي في وعي الاُمة، وهي محكمات واُصول وحدود واحكام لا يعذر أحد في تجاهلها أو تغافلها، وكذلك فإن خطاب القرآن فيها موجهٌ إلى عامة الناس سواءً كانوا فقهاء وعلماء أو لم يكونوا..

وهي – في ذات الوقت- الميزان الذي تختار به الاُمة قيادتها الرشيدة وتراقب نهج حكامها وسياسييها، وتساهم في تسديدهم وفي اختيار السبل الأمثل.

وهذه القيم هي بالمئات ولن تجد مثيلاً لها في مختلف مبادئ العالم ومذاهبه لا من حيث التنوع ولا من حيث الغنى والتناسق.

فهي تشمل الحكمة التي توحي بحرمة الشرك والتسليم لغير الله، واحترام العلاقات الاُسرية، وتنهى عن القتل والزنا والإسراف، وتأمر بالعدل والإحسان والانفاق، وتنظم علاقة البشر بالبيئة، وتزكيهم من الحمية والحقد والتعالي، وتربيهم على التعارف والتعاون والصبر والاستقامة ومعالي الاخلاق.

وترسم لهم حدود الظلم والعدوان، وتحذرهم من الاقتراب منها، وتهديهم الى سبل السلام في سلوكهم الحياتي.

وتنهاهم عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحرم عليهم الخبائث، وتدعوهم الى التنعم بالطيبات وبما في الحياة من زينة.

وتنير لهم درب التكامل العلمي، وتثير لهم دفائن العقول، وتهديهم الى صراط العزيز الحميد.

2- ولإيمان الناس بالدين وبأحكامها الشريفة، ولأن في أحكامها الكثير من الفروع المتشابهة، فلابد أن يرجعوا فيها إلى العلماء . فهم المسؤولون عن تبيان أحكام الدين للناس وعلى الاُمة الطاعة لهم فيها والتسليم لمـا استنبطوه من مصادر التشريع لأنها حكم الله فيهم.

قال الله سبحانه: )وَإِذَا جَآءَهُمْ  أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِـهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى اُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً( (النساء/83) .

3- ومن أبرز ما يرجع الناس فيها الى العلماء هو أمر القضاء فيما يختلفون فيه. فإذا قضوا بينهم بحكم الله فلا يجوز لأحد منهم التمرد على حكم الله وقد قال الله سبحانه: )فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( (النساء/65).

وفي الحديث المقبول والمروي عن عمر بن حنظلة أنه قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به. قال الله تعالى: )يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ اُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِه( قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله. ([120])

4- وفي غير ما يتصل بالدين من الاُمور العلمية يرجع الناس الى ذوي الاختصاص، مثل ما يتصل بالطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والجغرافيا وكثير من فروع الاقتصاد والسياسة.

5- وأما الاُمور العرفية التي تتصل بمصالح الناس واُمور معاشهم فإن على الناس ان يتشاوروا فيما بينهم ويعملوا بما تجمع عليه أكثريتهم. مثل الشؤون البلدية والقروية وانتخاب من يرونه صالحاً لإدارة شؤونهم الحياتية.

قال الله سبحانه: )وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ( (الشورى/38)

وقال النبي الكريم صلى الله عليه وآله: "إذا كان أُمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاؤكم، وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها.." ([121])

6- ولأن دين الله مهيمن على أبعاد الحياة فلابد أن تصبغ حياة الاُمة بأحكامه فقد قال سبحانه: )وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ  بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ…َ( (المائدة/48) .

ولأن مرجعية أحكام الدين هم الفقهاء فلابد أن تكون المؤسسات الاجتماعية كلها في إطار نظر الفقهاء. شريطة أن تكون للناس الرقابة الواعية على ذلك النظر انطلاقاً من:

ألف/ محكمات الكتاب والسنة وما أجمعت عليه الاُمة من ضرورات الدين لضمان استقامة الجميع على خط الإسلام اللاحب.

باء/ والناس يختلفون، واختلاف الناس جزء من حكمة خلق الله للبشر وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا وليتنافسوا في المكرمات ويسارعوا في الخيرات.

وهكذا لابد من احترام الآراء المختلفـة والاجتهـادات المتفاوته ولا يجـوز لأحد أن يصادر الدين وأحكامه ويفرض قراراته الخاصة واجتهاده الشخصي على الاُمة.

قيل لرسول الله ما الحزم؟ قال: "مشاورة ذوي الرأي واتباعهم". ([122])

وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

"إضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب". ([123])

" أفضل الناس رأياً من لا يستغني عن رأي مشير". ([124])

"من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها". ([125])

"خاطر بنفسه من استغنى برأيه". ([126])

" لا رأي لمن انفرد برأيه". ([127])

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

"المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل". ([128])

جيم/ ومن طبيعة هذا الاختلاف تنشأ التيارات المختلفة في الاُمة، التي نعتبرها كلها مشروعة ومحترمة مادامت لا تشذ عن قواعد الدين وتتبع أحد المجتهدين.

دال/ ولأن هذه التيارات تتحرك ضمن دائرة الدين وفي إطار قيمه المباركة، فإنها لا تتناقض ولا تتحارب، بل تتحـاور وتتنافـس وتتسابق الى الخيرات، إتباعاً لأمر الله عز وجل في كتابه الكريم: )سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ اُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ( (الحديد/21)

وإذا أحسوا بالخطر على الاُمة ومقدساتها توحدت جهودهم في مواجهتها، انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالى: )وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلى النَّاسِ فَاَقِيمُوا الصَّلاَةَ وءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ( (الحَج/78)، وقوله عز وجل: )وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ  تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ  لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( (آل عمران/105)

هاء/ وهكذا تتوفر في الاُمة أرضية تنامي وتكامل المؤسسـات الاجتماعية المختلفة سواء في حقل السياسة أو الاقتصاد أو في حقل الثقافة والاجتماع أو في حقل الرياضة والتربية.

إنّ هذه المؤسسات التي تضم التنظيمات والحركات والهيئات الحسينية، والصناديق الخيرية والشركات المحدودة والاتحادات الطلابية والنوادي الرياضية والتجمعات الثقافية والإعلامية إنها تدعم مسيرة الاُمة الصاعدة وتنشط روح التنافس البنّاء، وتدعم روح الوحدة والتعددية.


 

 

 

 

 

أحكام التقليد

ما هو التقليد؟

1- الاسلام خاتم الرسالات الإلهية، وهو منهج كامل يشمل كل جوانب حياة الانسان من العقيدة والاخلاق والعبادة والسلوكيات الفردية والاجتماعية، والعلاقة مع كل ما في الكون.

2- ومن يرتضي الإسلام ديناً لنفسه فلابد ان يأخذ بمنهج الإسلام بشكل كامل في كل مجالات حياته، ويكيّف كل سلوكياته وأعماله وفق أحكام الشريعة.

3- وهذا الأمر يتطلب من المسلم البالغ أن يكون عارفاً بما يحتاج من أحكام الشريعة وبصائرها حتى يستطيع تطبيقها في حياته.

4- ومعرفة أحكام الشريعة تتوفر عن أحد طريقين:

ألف: أن يقوم الإنسان شخصياً باستنباط الأحكام من مصادرها الأصلية وهي: القرآن، والسنة، والعقل، والاجماع (وهذه العملية هي الاجتهاد بالمعنى الفقهي) ثم العمل بها، ويتطلب هذا العمل جهداً ووقتاً كبيرين مما لا يتوفر لكل الناس.

باء : أن يتبع من يثق به ممن اجتهد واستنبط الاحكام الشرعيـة مـن

مصادرها وهو ما نسميه بالتقليد ([129]) فالتقليد هو العمل بقول المجتهد الذي تتوافر فيه الشروط التي سنذكرها لاحقاً إن شاء الله .

5- من هنا ترى ان أكثر المؤمنين يقلدون المجتهدين في التعرف على أحكام الشريعة، وبالتالي يقتدون بهم في حياتهم، ويتخذونهم قيادات لهم في مختلف شؤون الحياة.

وبهذا الأسلوب الذي يؤيده عقل الإنسان وفطرته يستطيع المسلم أن يطمئن إلى أن حياته بشكل عام تسير وفق المنهج الإسلامي المطلوب ويبرء ذمته من المسؤوليات الملقاة على عاتقه.

العمل بلا تقليد ولا اجتهاد

6- إذا عمل الإنسان دون اجتهاد أو تقليد كان عمله باطلاً إذا لم يصادف وقوعه موافقاً للواقع المطلوب منه أو لما كان وظيفته حسب رأي المجتهد الذي يقلده الآن.

تقليد الميت

7- المشهور بين فقهائنا قديماً وحديثاً عدم جواز تقليد المجتهد الميت ابتداءً ([130]) وهذا الرأي موافق للاحتياط، وبالذات في المسائل التي يُظن أن تطور الفقه قد أدى الى اتساع وتطور مجالات اجتهاد المجتهد الحي بالنسبة الى المجتهد الميت.

الأعلميـة

8- الاقوى عدم وجوب تقليد  المجتهد الأعلم، بلى، الأولى انتخاب الأفضل تقوىً وعلماً وكفاءةً.

9- إذا لم يكن للمجتهد الذي يقلده فتوى([131])في مسألة معينة، جاز الرجوع في ذلك إلى مجتهد آخر.

10- الاقوى جواز العدول (الانتقال)  عن تقليد مجتهد حي إلى تقليد مجتهد حيّ آخر، سواء كان الثاني أعلم أم لم يكن.

شروط مرجع التقليد

11- لا يكفي مجرد القدرة على الاستنباط والاجتهاد في جواز أخذ الدين وأحكامه من شخص، بل لابد ان تتوفر فيه الشروط التالية -بالإضافة الى الاجتهاد-.

ألف/ البلوغ.

باء/ العقل.

جيم/ الايمان.

دال/ العدالة.

هاء/ الرجولة (الذكورة).

واو/ الحياة.

زاء/ طهارة المولد، أي أن لا يكون ولد زنا.

كيف نعرف المجتهد؟

12- قبل أن نقلد احداً يجب التأكد من بلوغه درجة الإجتهاد، ولكن

كيف تحصل المعرفة بذلك؟ الجواب: بإحدى الطرق التالية:

ألف/ المعرفة المباشرة، كما لو كان المقلِّد من أهل الخبرة بأمور الشريعة بحيث كان يستطيع أن يعرف من هو المجتهد ويميزه عن غيره.

باء/ الشياع المفيد للإطمئنان العرفي.

جيم/ إخبار شخصين عادلين من أهل الخبرة باجتهاده.

دال/ الظاهر إن المعرفة تتم أيضاً إذا أخبر الثقة الواحد بذلك شريطة ان يورثَ إخباره اطمئناناً لدى العقلاء (العرف العام).

تقليد المتجـزئ

13- لا يشترط أن يكون المجتهد مجتهداً في جميع الفقه، بل يجوز تقليد المتجزّئ (وهو المجتهد في بعض أحكام الفقه وليس كلها جميعاً) تقليده فيما استنبط من احكام الشرع، ولكنه لا يصلح لمنصب المرجعية العامة لحاجتها الى استنباط الفقه في كل المسائل.

ما هي العدالة؟

14- العدالة عبارة عن روح التقوى، والشاهد على توفرها في الإنسان هو تمسكه بحدود الله وأحكامه جميعاً، ويمكن معرفة ذلك عن طريق حُسن الظاهر الكاشف عرفاً عن الواقع.

وتعني العدالة فيما تعني: أن لا يكون المجتهد متكالباً على الدنيا، مجدّاً في الحصول على حطامها.

 15- إذا فقد المجتهد أحد الشروط المذكورة (كالعقل أو العدالة مثلاً) وجب على المقلِّد العدول عنه إلى مجتهد آخر جامع للشرائط.

16- على المكلف أن يعلم بفراغ ذمته من تكاليفه، أي ان يعلم أنه قد عمل بما يجب عليه شرعاً سواء عن طريق العلم بتفاصيل وأجزاء العبادات وشرائطها وموانعها ومقدماتها وأحكام المعاملات والعقود، أو عن طريق متابعة شخص عارف بالحكم موثوق في العمل كالحاج الذي يتبع مرشد الحملة دون معرفة بتفاصيل أعمال وواجبات الحج مسبقاً.

فيمَ يجب التقليد؟

17- التقليد واجب على غير المجتهد في الواجبات والمحرمات. أما المستحبات والمكروهات فلا يجب فيها التقليد، بل يكفي أن يتأكد المؤمن أنها ليست واجبات أو محرمات، فإذا عمل بها بعدئذ رجاء الثواب كفى، ويكفي كذلك الرجوع الى كتب الأدعية والآداب التي كتبها الموثوقون من علمائنا.

أما في الأمور العادية فيجب أن يتأكد أنها ليست مخالفة للشرع.

18- إذا قلَّد مجتهداً، ثم شك في كونه جامعاً لشرائط التقليد، فإن كان الشك في بقاء الشروط واستمرارها فيكفيه اليقين السابق بها، حيث يعتبر الشروط باقية ما لم يتأكد لديه بدليل شرعي انها قد زالت، أما إذا كان الشك في أصل توافر الشروط فيه، فعليه الفحص والتحقيق في أمر تقليده اما  أعماله السابقة فهي صحيحة إن شاء الله تعالى.

الشك في التقليد

19- إذا مضت على بلوغ الفرد فترة من الوقت، ثم شك بعد ذلك: هل كانت أعماله حتى الآن عن تقليد صحيح أم لا؟ بَنى على صحة أعماله السابقة، إلا أن عليه التأكد من صحة تقليده من الآن فصاعداً.

التبعيض

20- يجوز التبعيض في التقليد، أي أن يأخذ أحكام العبادات مثلاً من مجتهد، وأحكام المعاملات من مجتهد آخر، ولكن ينبغي أن يلتفت المكلف بأن يخلص لله سبحانه وتعالى في إختيار المجتهد الذي يقلده ولا يتبع هوى نفسه في ذلك.

21- إذا أخطأ شخص في نقل فتوى المجتهد للآخرين، يجب عليه إعلامهم بذلك، كما يجب على المجتهد الإعلام فيما إذا أخطأ في بيان فتواه.


 

 

 

 

 

أحكام البلوغ

لقد رفع الله سبحانه بمنه وفضله قلم التكليف والمؤاخذة عن الطفل حتى يبلغ أشُده، فمتى يبلغ الطفل وما هي علامات بلوغه؟. الطفل يتدرج في مراحل النمو حتى يصل الى مرحلة تحدث عنده طفرة نوعية في جسمه وعقله وشخصيته، فلا يعود بعدها طفلاً في عرف الناس، بل يصبح الصبي رجلاً وتصبح الصبية امرأة .

ولقد بيّن علماء الطب قديماً وحديثاً كيف تتم هذه الطفرة وما هي عواملها وما هي آثارها، ولكن هذه التفاصيل لا تهمنا كثيراً، بل المهم هو معرفة وقت البلوغ بالضبط حتى يتحمل الطفل مسؤولياته الشرعية.

وفي كتاب ربنا سبحانه إشارات إلى البلوغ، كما في السنة الشريفة تبيان مفصّل.. فإليك بعضاً من تلك النصوص:

البلوغ في القرآن الكريم

1- ]وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيَّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً[ (النساء/6)

2- ]وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لانُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[ (الانعام/152)

3- ]وإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ (النور/59)

بصائر الآيات

1- متى ينقطع يُتْم الطفل فيجب على وليه دفع أمواله إليه؟ عندما يبلغ النكاح، (ويُصبح رشيداً جسدياً بحيث يستعد جسمه للإنجاب ذكراً كان أو أُنثى) فإذا كان رشده العقلي كافياً للتصرّف في أمواله دُفعت إليه.

2- وينبغي التصرف في أموال اليتامى بما فيه أفضل مصالحهم حتى إذا بلغوا أشدهم وبلغوا الرشد في أجسامهم وعقولهم دُفعت إليهم أموالهم.

والأشُد في هذه الآية يُفسرها بلوغ النكاح في الآية السابقة، لأن الجسم لا يبلغ أشده إلا بالاستعداد للنكاح، وقد ورد في تفسير الآية أن المراد من بلوغ الأشد الاحتلام.

روى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عزّ وجّل: "حتّى إذا بلغ أشدّه"، قال: الاحتلام، قال: فقال: يحتلم في ستّ عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها، فقال: لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً، فقـال: وما السّفيه؟ فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه، قال: وما الضعيف؟ قال: الأبله. ([132])

3- والحُلُم -حسب اللغة- ما يراه النائم، ويُكنى به عن الشهوة الجنسية لأنها تظهر عند الشاب في رؤياه وهي عبارة أُخرى عن بلوغ النكاح، ولا يكون إلا عند من يدرك ويظهر على عورات النساء، حيث جاء في آية كريمة انه لا يجب على النساء الحجاب من الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء.

نستفيد من الآيات الكريمة إن أهم علامة لبلوغ الطفل وإدراكه، إستعداده للإنجاب (النكاح-أشُدَّه- الحُلُم).

البلوغ في السنة الشريفة

1- في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام قال: "يا علي، لا يُتْمَ بعد إحتلام". ([133]) 

2- وفي خبر آخر: "على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المراة إذا حاضت الصيام". ([134])

3- عن عبد الله بن الحسن، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى ابن جعفر عليه السلام قال: سألته عن اليتيم متى ينقطع يُتمه؟ قال: إذا احتلم وعرف الأخذ والعطاء. ([135])

4- روي أنّ امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل؟ فقال صلى الله عليه وآله: أتجد لذّة؟ فقالت: نعم، فقال: عليها ما على الرجل. ([136])

5- عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وذلك انّها تحيض لتسع سنين". ([137])

6- سُئل الإمام الصادق عليه السلام عن ابن عشر سنين يحـج؟ قـال: "عليـه حجة الإسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحـج إذا طمثت". ([138]