رابعها : تشريعه في السنة الثانية للهجرة(1).
     خامسها : أن جبرئيل أوَّل مَن أذَّن به في السماء(2) ، لكنَّ تشريعه في الأرض جاء بعد دخول رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة.

____________
(1) انظر : فتح الباري 2 : 62.
(2) وسائل الشيعة 5 : 439 ح 7028 عن عيون أخبار الرضا عليه السلام 2 : 238.

( 27 )

بدء الأذان عند أهل السنّة
والجماعة

     هناك تقولات وأقوال مختلفة في بدء الأذان وكيفيّته ، مذكورة في الصحاح والسنن ، المشهور منها ـ الذي قد استقرّ عليه رأيهم ـ أنَّه قد شُرِّع في المدينة المنوّرة في السنة الأُولى من الهجرة المباركة ، على أثر منام رآه بعض الصحابة ، وإليك أهمّ تلك الأقوال :
     * الأوّل :
     تشريعه باقتراح من الصحابة ، وخصوصاً عمر بن الخطّاب :
     * أخرج البخاريّ ومسلم ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم ـ والنصّ للأوّل ـ عن عبدالله بن عمر ، أنّه قال : كان المسلمون حين قَدِموا المدينة يجتمعون ، فيتحيّنون الصلاة ، ليس يُنادى لها ، فتكلّموا يوماً في ذلك ، فقال بعضهم : اتَّخِذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بُوقاً مثل قرن اليهود ، فقال عمر : أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله : يا بلال! قم فنادِ بالصلاة(1).
____________
(1) صحيح البخاري 1 : 306 كتاب الأذان باب بدء الأذان ح 570 ، صحيح مسلم1 : 285/1 ، سنن الترمذي 1 : 362 ـ 363 أبواب الصلاة باب ما جاء في بدء الأذان ح190 ، سنن النسائي 2 : 2 ـ 3 كتاب الأذان باب بدء الأذان ، مسند أحمد 2 : 148 ، مسند عبدالله بن عمر بن الخطّاب.

( 28 )

     * قال ابن خزيمة في صحيحه في باب « ذكر الدليل على أنّ بدء الأذان إنّما كان بعد هجرة النبيّ إلى المدينة ، وأنّ صلاته بمكّة إنّما كانت من غير نداء لها ولا إقامة » : « قال أبو بكر ، في خبر عبدالله بن زيد : كان رسول الله حين قَدِمَ المدينة إنّما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة »(1).
     وهذا الرأي يشير إلى أن الأذان شُرّع بالمدينة وإن كانت الصلاة قد شُرّعت بمكّة :
     قال ابن المنذر : هو [ صلى الله عليه وآله ] كان يصلّي بغير أذان منذ فُرضت الصلاة بمكّة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور(2).
     لكن السيوطي في الدرّ المنثور ـ ضمن تفسير قوله تعالى : ( ومن أحسن قولاً ممّن دعا إلَى اللهِ وعَمِلَ صالحاً ) ـ روى عن عائشة أنّها قالت : ما أرى هذه الآية نزلت إلاّ في المؤذّنين(3). وهذه الآية مكّيّة(4).
     ثمّ علّق الحلبي في سيرته على هذا بقوله : والأذان إنّما شُرّع في المدينة فهي ممّا تأخّر حكمه عن نزوله(5).
     وقد سئل الحافظ السيوطي : هل ورد أن بلالاً أو غيره أذّن بمكّة قبل الهجرة ؟ فأجاب بقوله : ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يُعتمد عليها ، والمشهور
____________
(1) صحيح ابن خزيمة 1 : 190 كتاب الصلاة باب الأذان والإقامة ح 365.
(2) السيرة الحلبية 2 : 296.
(3) الدرّ المنثور 5 : 364 ، المصنّف لابن أبي شيبة 1 : 204 ، باب في فضل الأذان وثوابه ح 2347.
(4) انظر : تفسير القرطبي 15 : 360 ، وتفسير الثعالبي 5 : 139.
(5) السيرة الحلبية 2 : 297.

( 29 )

الذي صحّحه أكثر العلماء ودلّت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان شُرّع بعد الهجرة وأنّه لم يؤذِّن قبلها لا بلال ولا غيرُه(1).
     هذا ، وإن النووي بعد أن أتى بخبر ابن عمر الدالّ على مشاورة الرسول للصحابة ، تساءل عن هذه المشاورة هل هي واجبة على رسول الله أم لا ؟! فقال : « ... واختلف أصحابنا ، هل كانت المشاورة واجبة على رسول الله أم كانت سُنّة من حقّه كما في حقّنا ؟ والصحيح عندهم وجوبها ، وهو المختار.
     قال الله تعالى : ( وشاورهم في الأمر )(2) ، والمختار الذي عليه جمهور الفقهاء ومحقّقو أهل الأُصول أنَّ الأمر للوجوب ، وفيه أنّه ينبغي للمتشاورين أن يقول كلٌّ منهم ما عنده ، ثمّ صاحبُ الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة ، والله أعلم(3).
     الثاني :
     جاء تشريع الأذان بعد منامات رآها بعض الصحابة :
     * أخرج أبو داود بإسناده عن أبي عمير بن أنس ، عن عُمومةٍ له مِن الأنصار ، قال : « اهتمّ النبيّ للصلاة كيف يجمع الناس لها ؛ فقيل : انصِبْ رايةً عند حضور الصلاة ، فإذا رأوها آذَنَ بعضُهم بعضاً ، فلم يعجبه ذلك ، فذُكِر له القَنْع ـ يعني الشبّور ، وقال زياد : شبّور اليهود ـ فلم يعجبه ذلك ، وقال : هو مِن أمرِ اليهود.
     قال : فذُكِر له الناقوس ، فقال : هو مِن أمرِ النصارى.
____________
(1) السيرة الحلبية 2 : 296.
(2) آل عمران : 159.
(3) شرح النوويّ على مسلم 3 ـ 4 : 318 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.

( 30 )

     فانصرف عبدالله بن زيد وهو مهتمٌّ لهمِّ رسول الله ، فأُرِيَ الأذانَ في منامه ، فغدا على رسول الله فأخبره ، فقال : يا رسول الله! إنّي لَبينَ نائمٍ ويقظان إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان.
     قال : وكان عمر بن الخطّاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً. قال : ثمّ أخبر النبيّ ، فقال له : ما منعك أن تخبرني ؟ فقال : سبقني عبدالله بن زيد فاستحييت.
     فقال رسول الله : يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبدالله بن زيد فافعله ، قال : فأذَّنَ بلال.
     قال أبو بشر [ وهو من رواة الخبر ] : فأخبرني أبو عمير أنّ الأنصار تزعم أنَّ عبدالله بن زيد لولا أنّه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول الله مؤذِّناً(1).
     * وأخرج الترمذيّ ، وأبو داود ، عن عبدالله بن زيد أنّه قال ـ والنصّ للثاني ـ : لمَّا أمر رسول الله بالناقوس يُعمَل ليضرب به للناس لجمع الصلاة ، طاف بي ـ وأنا نائم ـ رجل يحمل ناقوساً في يده ، فقلت : يا عبدالله! أتبيع الناقوس ؟
     قال : وما تصنع به ؟
     قلتُ : ندعو به إلى الصلاة.
     قال : أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك ؟
     فقلتُ : بلى.
     فقال : تقول : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر
     أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله.
     أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.
____________
(1) سنن أبي داود 1 : 134 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.

( 31 )

     حيّ على الصلاة ، حي على الصلاة.
     حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح.
     الله أكبر ، الله أكبر.
     لا إله إلاَّ الله.
     قال : ثمّ استأخر عنّي غير بَعيدٍ ، ثمّ قال : وتقول إذا أقمت الصلاة :
     الله أكبر ، الله أكبر.
     أشهد أن لا إله إلاَّ الله.
     أشهد أنّ محمّداً رسول الله.
     حيّ على الصلاة.
     حيّ على الفلاح.
     قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة.
     الله أكبر ، الله أكبر.
     لا إله إلاَّ الله.
     فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت ، فقال : إنَّها لَرُؤيا حقّ إن شاء الله تعالى ، فقُم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فَلْيُؤذِّن به ، فإنّه أندى صوتاً منك ، فقمتُ مع بلال فجعلتُ أُلقيه عليه ويُؤذِّن به.
     قال : فسمع ذلك عمر بن الخطّاب وهو في بيته ، فخرج يجرُّ رداءه ، ويقول : والذي بعثك بالحقِّ يا رسول الله! لقد رأيتُ مثل ما رأى ، فقال رسول الله : فللَّه الحمد(1).
____________
(1) الجامع الصحيح للترمذي 1 : 358 أبواب الصلاة ، باب : « ما جاء في بدء الأذان » ،سنن ابي داود 1 : 135 كتاب الصلاة ، باب « كيف الأذان » وفيه قال أبو داود : هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبدالله بن زيد ، وقال فيه ابن إسحاق عن الزهري : الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، وقال معمر ويونس عن الزهري فيه : الله أكبر ، الله أكبر لم يثنيّا ، وانظر : : صحيح ابن خزيمة 1 : 193.

( 32 )

     * وأخرج أبو داود عن ابن أبي ليلى ، قال : أُحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، قال : وحدّثنا أصحابنا أنّ رسول الله قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين ـ أو قال : المؤمنين ـ واحدة حتّى لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نَقَسُوا أو كادوا [ أن ] ينقسوا.
     قال : فجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله! إنّي لمّا رجعتُ ـ لِما رأيتُ من اهتمامك ـ رأيتُ رجلاً كأنَّ عليه ثوبَين أخضرَين ، فقام على المسجد فأذَّن ثمّ قعد قعدة ، ثمّ قام فقال مثلها إلاَّ أنّه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقول الناس ـ قال ابن المثنّى : أن تقولوا ـ لقلتُ إنّي كنتُ يقظاناً غير نائم.
     فقال رسول الله : لقد أراك الله عزّوجلّ خيراً ـ كما في رواية ابن المثنّى ، ولم تأتِ هذه العبارة في رواية عمرو ـ فَمُرْ بلالاً فليؤذِّن.
     قال : فقال عمر : أما إنّي فقد رأيتُ مثل الذي رأى ، ولكنّي لمّا سُبِقتُ استَحيَيت(1).
     * وأخرج مالك في الموطّأ : حدّثني يحيى ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد أنّه قال : كان رسول الله (ص) قد أراد أن يتّخذ خشبتَين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة ، فأُرِيَ عبدالله بن زيد الأنصاريّ ثمّ من بني الحارث بن الخزرج خشبتَينِ في النوم ، فقال : إنَّ هاتين لَنحو ما يريد رسول الله ، فقيل : أفلا تُؤَذِّنون للصلاة ؟ فأتى رسول الله ، حين استيقظ ، فذكر له ذلك ، فامر رسولُ الله
____________
(1) سنن أبي داود 1 : 139 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ح 506.

( 33 )

بالأذان(1).
     * وفي مصنّف عبدالرزّاق بإسناده عن إبراهيم بن محمّد ، عن أبي جابر البياضيّ ، عن سعيد ، عن عبدالله بن زيد ـ أخي بني الحارث بن الخزرج ـ أنّه : بينما هو نائم إذ رأى رجلاً معه خشبتان ، قال : فقلتُ له في المنام : إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله يريد أن يشتري هذين العُودَينِ يجعلهما ناقوساً يضرب به للصلاة.
     قال : فالتفتَ إلَيَّ صاحبُ العودينِ برأسه فقال : أنا أدلّكم على ما هو خير من هذا (فبلَّغه رسول الله صلَّى الله عليه [ وآله ] وسلَّم ، فأمره بالتأذين)(2).
     فاستيقظ عبدالله بن زيد ؛ قال : ورأى عمر مثل رؤيا عبدالله بن زيد ، فسبقه عبدالله بن زيد إلى النبيّ ، فأخبره بذلك ، فقال له النبيّ : قم فأذِّن ، فقال : يارسول الله! إنّي فضيع الصوت ، فقال له : فعلِّمْ بلالاً ما رأيتَ ، فعلَّمه فكان بلال يُؤَذِّن(3).
     * وأخرج عبدالرزّاق أيضاً في مصنّفه عن ابن جريج : « قال عطاء : سمعتُ عبيد بن عمير يقول : ائتمر النبيّ وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها ، فائتمروا بالناقوس ، قال : فبينا عمر بن الخطّاب يريد أن يشتري خشبتينِ للناقوس إذ رأى في المنام : أن لا تجعلوا الناقوس بل أذِّنوا بالصلاة ، قال : فذهب عمر إلى النبيّ ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبيّ الوحي بذلك ، فما راع عمر إلاّ بلال يؤذِّن ، فقال النبيّ : قد سبقك بذلك الوحي ، حين
____________
(1) الموطّأ 1 : 67 كتاب الصلاة ، باب « ما جاء في النداء للصلاة ».
(2) ما بين القوسين ساقط من كنز العمّال.
(3) مصنّف عبدالززّاق 1 : 460/1787 كتاب الصلاة باب بدء الأذان كذلك كنز العمال8 : 329 كتاب الصلاة الباب الخامس ح 23140.

( 34 )

أخبره بذلك عمر »(1).
     * وفي جامع المسانيد لأبي حنيفة ومجمع الزوائد ـ والنصّ للأوّل ـ : « عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، أنَّ رجلاً من الأنصار مرَّ برسول الله فرآه حزيناً ، وكان الرجل ذا طعام يُجتمَع إليه ، فانطلق حزيناً لِما رأى من حزن رسول الله ، وترك طعامه وما كان يجتمع إليه ، ودخل مسجده يصلِّي ، فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم ، فقال : هل علمت ما حَزَّن رسولَ الله ؟
     فقال : لا.
     قال : فهو لهذا الناقوس ، فائْتِهِ فمُرْه أن يأمر بلالاً أن يؤذِّن ، فعلَّمه الأذان : اللهُ أكبر اللهُ أكبر مرّتين ، أشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله مرّتين ، حيّ على الصلاة مرّتين ، حيّ على الفلاح مرّتين ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلاّ الله..
     ثمّ عَلّمه الإقامة مثل ذلك ، وقال في آخره : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ، لا إله إلاّ اللهُ ، كأذان الناس وإقامتهم.
     فأقبل الأنصاريّ فقعد على باب رسول الله ، فمرّ أبو بكر فقال : استأذن لي ، فدخل أبو بكر وقد رأى مثل ذلك ، فأخبر به النبيَّ ، ثمَّ استأذن للأنصاريّ فدخل وأخبر بالذي رأى ، فقال النبيُّ : قد أخبرنا أبو بكر بمثل ذلك ، فأمر بلالاً يؤذِّن بذلك(2) .
     فهذه النصوص النصوص : وإن كانت مختلفة العبارات لكنّها تشير إلى رؤية متقاربة ؛
____________
(1) مصنّف عبدالرزّاق 1 : 456/1775 كتاب الصلاة باب بدء الأذان. هذه الرواية وان كانت ترتبط بالأذان عن طريق الوحي لكنا أتينا بها هنا لارتباطها بروايات المنامات.
(2) جامع المسانيد 1 : 299 ، مجمع الزوائد 1 : 329 كتاب الصلاة باب كيف الأذان.

( 35 )

فالنصّ الأوّل يشير إلى أن تشريع الأذان جاء على أثر رؤيا رآها عبدالله بن زيد حينما رأى رسول الله مهموماً مغموماً. ويظهر أنّ رؤياه كانت ليلاً لقوله : « ... فأُرِيَ الأذان في منامه ، فغدا على رسول الله فأخبره » وكذا النصّ الثاني ، ففيه « فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت ».
     لكن النصّ الذي رواه أبو حنيفة في جامع المسانيد فيه : أنّ الرجل لمّا رأى حزن رسول الله دخل المسجد يصلّي « فبينما هو كذلك إذ نعس فأتاه آتٍ في النوم.... فأقبل الأنصاري فقعد على باب رسول الله فمرّ أبو بكر فقال : استأذن لي.... » وهو يختلف عن الأوّل.
     ويضاف إليه أن الرجل الأنصاري في نصّ جامع المسانيد كان « ذا طعام يُجتَمع إليه ، فانطلق حزيناً لِما رأى من حزن رسول الله ، وترك طعامه وما كان يجتمع إليه » وهذا لم يشتهر عن عبدالله بن زيد بن عبدربّه بن ثعلبة الذي أُري النداء لعلّه أبي بن كعب الآتي ذكره .
     نعم ، اشتهر عن سعد بن عبادة وغيره من الأنصار الذين استضافوا رسول الله عند دخوله صلى الله عليه وآله المدينة ، وكانوا من الأغنياء المعروفين بالجود والكرم مع أنّ نص جامع المسانيد يدّعي أنّ أبا بكر سبق الأنصاري بالرؤيا وإخباره للنبي (ص) بذلك ، وهو يخالف باقي النصوص التي سَجّل قدمَ السبق للأنصاري .
     أما النصّ الثاني ـ أي ما أخرجه الترمذي وأبو داود ـ فيشير إلى أن رسول الله أمر بالناقوس يُعمل ليضرب للناس ، فرأى عبدالله في المنام الأذان ، فأمر صلى الله عليه وآله بلالاً أن يأخذ بما قاله عبدالله ؛ وهذا لا يتّفق مع عدم ارتضائه صلى الله عليه وآله للناقوس!!
     وفي النصّ الثالث نراه صلى الله عليه وآله يقول : « لقد هَمَمتُ أن أبثّ رجالاً في الدُّور ينادون الناس بحين الصلاة حتّى هَمَمت أن آمر رجالاً يقومون على الآطام ينادون بحين الصاة ، حتّى نقسوا أو كادوا [ أنج ينقسوا ، فجاء رجل من الأنصار... » ، وهذا لا يتّفق مع ما قيل عن الرجل الأنصاري في كتب


( 36 )

الحديث.
     وفي موطّأ مالك : « كان رسول الله قد أراد ان يتّخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة ، فأُري عبدالله خشبتين في المنام... ».
     وهذا أيضاً لا يتّفق مع ما رواه عبدالرزّاق عن ابن جريج ، إذ فيه : أنّ عمر أراد « أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام : أن لا تجعلوا الناقوس بل أذّنوا للصلاة ».
     هذه بعض النصوص الدالّة على القول الثاني ، وقد حاولنا أن نوحدها ـ رغم اختلافاتها ـ بقدر المستطاع تحت عنوان واحد.
     * الثالث :
     نزول الأذان تدريجياً ، وإضافة عمر الشهادة بالنبوّة إليه :
     جاء في صحيح ابن خزيمة : حدّثنا بُندار ، حدّثنا أبو بكر ـ يعني الحنفيّ ـ حدّثنا عبدالله بن نافع عن أبيه ، عن ابن عمر : أنَّ بلالاً كان يقول أوَّل ما أذَّن : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، حيّ على الصلاة ؛ فقال له عمر : قل في إثرها : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ؛ فقال رسول الله : قل كما أمرك عمر(1).
     * الرابع :
     الأذان وحيٌ من الله تلقّاه الرسول من جبرئيل :

     جاء في نصب الراية للزيلعي تحت باب « أحاديث في أنَّ الأذان كان وحياً
____________
(1) صحيح ابن خزيمة 1 : 189 ، كتاب الصلاة باب في بدء الأذان والإقامة ح 362 . وانظر : السيرة الحلبية 2 : 303 ، كنز العمّال 8 : 334 كتاب الصلاة الباب الخامس ح23150.

( 37 )

لا مناماً » : روى البزّار في مسنده : حدّثنا محمّد بن عثمان بن مخلّد الواسطيّ ، حدّثنا أبي ، حدّثنا زياد بن المنذر ، عن محمّد بن عليّ بن الحسين ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّ بن أبي طالب ، قال :
     « لمّا أراد الله أن يُعَلِّم رسوله الأذانَ أتاه جبرئيل بدابّة يقال لها البُراق ، فذهب يركبها فاستصعبت ، فقال لها [جبرئيل] : اسكُني ، فوالله ما رَكِبَك عبدٌ أكرم على الله من محمّد.
     قال : فركبها حتّى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى ، فبينما هو كذلك إذ خرج مَلَكٌ مِن الحجاب ، فقال رسول الله : يا جبرئيل! مَن هذا ؟
     قال : والذي بعثك بالحقِّ ، إنّي لأَقرب الخَلْق مكاناً ، وإنَّ هذا المَلَك ما رأيته منذ خُلِقتُ قبل ساعتي هذه.
     فقال المَلَك : الله أكبر ، الله أكبر.
     قال : فقيل له مِن وراء الحجاب : صَدَقَ عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.
     ثمّ قال المَلَك : أشهد أن لا إله إلاَّ الله.
     قال : فقيل له مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا لا إله إلاَّ أنا.
     ثمّ قال المَلَك : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله.
     فقيل له مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلتُ محمّداً.
     ثمّ قال المَلَك : حيَّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح [ وفي مجمع الزوائد زيادة : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ]. ثمَّ قال الملك : الله أكبر ، الله أكبر.
     فقيل له مِن وراء الحجاب : صَدَق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.
    
( 38 )

ثمّ قال : لا إله إلاَّ الله.
     قال : فقيل مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا لا إله إلاَّ أنا.
     قال : ثمّ أخذ المَلَك بيد محمّد فقدَّمه فأمَّ أهل السماء ، فيهم آدم ونوح.. انتهى.
     [ وفي مجمع الزوائد زيادة : قال أبو جعفر محمّد بن عليّ : فيومئذٍ أكمل الله لمحمّد الشرف على أهل السماوات والأرض ](1).
     وروى الطبرانيّ في الأوسط عن ابن عمر : « أنَّ النبيّ لمّا أُسرِيَ به إلى السماء أُوحي إليه بالأذان ، فنزل به فعلَّمه جبرئيلَ »(2).
     وروى ابن مردويه عن عائشة مرفوعاً : لمّا أسري بي أذّن جبرئيل فظنّت الملائكة أنّه [ أي جبرئيل ] يصلّي بهم ، فقدّمني فصلّيت(3).
     * الخامس :
     إنّ عمر أوّل من سمع أذان جبرئيل ثمّ بلال :
     جاء في مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد العشرة للبوصيري : عن كثير ابن مرة الحضرميّ ، أنَّ رسول الله قال : أوّل مَن أذَّن في السماء جبرئيل عليه السلام ، قال : فسمعه عمر وبلال ، فأقبل عمر فأخبر النبيَّ بما سمع ، ثمّ أقبل بلال فأخبر النبيَّ بما سمع ، فقال له رسول الله : سبقك عمر يا بلال ، أذِّن كما سمعت ، قال : ثمَّ أمره رسول الله أن يضع إصبعَيه في أُذنَيه استعانةً بهما على الصوت . رواه الحارث بن أُسامة مرسلاً بسند ضعيف لضعف سعيد
____________
(1) نصب الراية 1 : 260 ، مجمع الزوائد 1 : 328 كتاب الصلاة باب بدء الأذان.
(2) الأوسط للطبرانيّ10 : 114 ح 9243 ، مجمع الزوائد 1 : 329 كتاب الصلاة باب بدء الأذان وفيه : « رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه طلحة بن زيد ونسب إلى الوضع ».
(3) السيرة الحلبية 2 : 296 وفيه : قال الذهبي : حديث منكر بل موضوع.

( 39 )

ابن سنان(1).
     * السادس :
     إنّ الأذان نزل به جبرئيل على آدم لمّا استوحش :
     جاء في كشف الغُمَّة للشعراني : ... وكان كعب الأحبار يقول : قال رسول الله : لمَّا نزل آدم بأرض الهند استوحش فنزل جبرئيل فنادى بالأذان ، فزالت عنه الوحشة.
     فقال جبرئيل : الله أكبر اللهُ أكبر ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ـ مرّتين ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ـ مرّتين.
     قال آدم : مَن محمّد ؟
     قال : آخِر ولدك مِن الأنبياء(2).
     قال عليّ بن برهان الدين الحلبي في سيرته : أقول : ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل أنّ جبرئيل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنَّة(3).
     ثمّ قال الحلبي :

____________
(1) إتحاف السادة المهرة 1 ـ 2 : 317 كتاب الأذان باب بدء الأذان وصفته ح 983 ، السيرة الحلبية 2 : 302 وفيه : « وروي بسندٍ واهٍ أن أوّل من أذن بالصلاة جبرئيل في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال رضي الله عنهما فسبق عمر بلالاً فاخبر النبي ثمّ... ».
(2) كشف الغمّة 1 : 96 كتاب الصلاة باب الأذان وفضله. وانظر : قريباً منه في حلية الأولياء 5 : 107 ترجمة عمرو بن قيس الملائي عن أبي هريرة.
(3) السيرة الحلبية 2 : 297.

( 40 )

     وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى « خُصّ صلى الله عليه وآله بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى » والله أعلم(1).
     هذا ما قاله أهل السنّة والجماعة في بَدء الأذان ، ولكنْ.. ما هي رؤية أهل البيت عليهم السلام في قضيّة بدء تشريع الأذان ؟ هذا ما سنتعرّف عليه في الصفحات التالية.
____________
(1) السيرة الحلبية 2 : 302.

( 41 )

أهل البيت وبدء الأذان

     اتّفقت نصوص أهل بيت النبوّة ـ المرويّ منها عن طريق الإماميّة الاثني عشريّة أو الإسماعيليّة أو الزيديّة ـ على أنّ بدء الأذان قد كان في الإسراء ، وإليك بعض نصوصهم في هذا السياق.
     الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام (ت 40هـ ) :
     جاء في صحيفة الرضا عليه السلام ، عن آبائه ، قال : « قال عليّ بن أبي طالب : لمّا بُدِي رسول الله بتعليم الأذان ، أتى جبرئيل بالبُراق فاستعصت عليه ، فقال لها جبرئيل : اسكُني برقة! فما ركبك أحد أكرم على الله منه ، فسكنت. قال رسول الله : فركبتها حتّى انتهيت إلى الحجاب الذي يلي الرحمن عَزَّ [ ربُّنا ] وجَلَّ ، فخرج مَلَكٌ مِن وراء الحجاب ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فقال صلى الله عليه وآله : قلت : يا جبرئيل! مَن هذا المَلَك ؟
     قال [جبرئيل] : والذي أكرمك بالنبوّة ما رأيتُ هذا الملَك قبل ساعتي هذه.
     فقال المَلَك : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فنودي مِن وراء الحجاب : صَدَق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر.
     قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : أشهد أن لا إله إلاَّ اللهَ ، أشهد أن لا إله إلاَّ الله ؛ فنُودِي مِن وراء الحجاب : صدق عبدي ، [أنا الله] ، لا إله إلاَّ أنا.
     فقال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ؛ فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أرسلتُ محمّداً رسولاً.


( 42 )

     قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ؛ فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي.
     قال صلى الله عليه وآله : فقال المَلَك : حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، فنودي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، ودعا إلى عبادتي ، فقال الملك : قد أفلحَ مَن واظب عليها.
     قال صلى الله عليه وآله : فيومئذٍ أكمل الله عزَّوجلَّ لي الشرف على الأوّلين والآخرين »(1).
     الإمام الحسن بن عليّ عليه السلام ( ت 50هـ ) :
     عن سفيان بن الليل ، قال : لمّا كان من أمر الحسن بن عليّ ومعاوية ما كان قَدِمتُ عليه المدينةَ وهو جالس في أصحابه ، فذكر الحديث بطوله ، فقال : فتذاكرنا عنده الأذان ، فقال بعضنا : إنّما كان بدء الأذان برؤيا عبدالله بن زيد.
     فقال له الحسن بن عليّ : « إنّ شأن الأذان أعظم من ذلك ، أذّنَ جبرئيل في السماء مَثْنى مَثْنى وعلَّمه رسولَ الله ، وأقام مرّة مرّة فعلَّمه رسولَ الله » ، فأذَّن به الحسن حتّى ولّى(2).
     الإمام الحسين بن عليّ عليه السلام ( ت 61هـ ) :
     جاء في الجعفريّات : أخبرنا محمّد ، حدّثني موسى ، قال : حدّثنا أبي ، عن أبيه ، عن جدّه جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه عليّ بن الحسين ، عن
____________
(1) صحيفة الرضا صلى الله عليه وآله 65 ـ 66 ح 115 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 151. وقد مرّ عليك قبل قليل في صفحة 37 ما أخرجه البزّار ( انظر : نصب الراية 1 : 260 ).
(2) نصب الراية 1 : 261 ، عن المستدرك للحاكم 3 : 171 كتاب معرفة الصحابة ، باختلاف يسير.

( 43 )

الحس ـ ين بن عليّ عليهم السلام أنَّه سئل عن الأذان وما يقول الناس ، قال : « الوحيُ ينزل على نبيّكم ، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد ؟ بل سمعتُ أبي عليّ ابن أبي طالب عليه السلام يقول : أَهـ بَطَ اللهُ عزَّ وجلَّ مَلَكاً حين عُ ـ رِج برس ـ ول الله فأذَّن مَثْنى مَثْ ـ نى ، وأقام مَثْ ـ نى مَثْ ـ نى ، ثمّ قال له جبرئ ـ يل : يا محمَّ ـ د! هك ـ ذا أذان الص ـ لاة »(1)َ.
     وفي دعائم الإسلام ـ وهو من كتب الإسماعيليّة ـ : روينا عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن الحسين بن عليّ عليهم السلام أنّه سئل عن قول الناس في الأذان ، إنَّ السبب كان فيه رؤيا رآها عبدالله بن زيد فأخبر بها النبيَّ صلى الله عليه وآله ، فأمر بالأذان!
     فقال الحسين عليه السلام : « الوحيُ يتنزَّل على نبيّكم ، وتزعمون أنَّه أخذ الأذان عن عبدالله بن زيد ؟ والأذان وجه دينكم! » ، وغضب عليه السلام ثمّ قال : « بل سمعتُ أبي عليّ بن أبي طالب يقول : أهبَطَ اللهُ عزّوجلّ مَلَكاً حين عرج برسول الله صلى الله عليه وآله » ـ وذكر حديث الإسراء بطوله ، اختصرناه نحن ها هنا ـ قال فيه : « وبعث ملكاً لم يُرَ في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده ، فأذَّن مَثْنى وأقام مَثْنى » ، وذكر كيفيّة الأذان « وقال جبرئيل للنبيّ صلى الله عليه وآله : يا محمّد! هكذا أذِّن للصلاة »(2).
     محمّد بن علي بن أبي طالب ( ابن الحنفيّة ت 73 ـ 93هـ ) :
     عن أبي العلاء ، قال : قلت لمحمّد بن الحنفيّة : إنّا لَنتحدّث : أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه.
     قال : ففزع لذلك محمّد بن الحنفيّة فزعاً شديداً ، وقال : عَمَدتُم إلى ما هو
____________
(1) الجعفريّات : 42 ، مستدرك الوسائل 4 : 17.
(2) دعائم الإسلام 1 : 142 ذكر الأذان والإقامة.

( 44 )

الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه إنّما كان رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام!
     قال : فقلتُ ( له ) : هذا الحديث قد استفاض في الناس!
     قال : « هذا والله هو الباطل ». ثمّ قال : « وإنّما أخبرني أبي : أنَّ جبرئيل عليه السلام أذَّن في بيت المقدس ليلة الإسراء وأقام ، ثمّ أعاد جبرئيل الأذان لمّا عرج بالنبيّ إلى السماء... »(1).
     وفي معاني الأخبار : عن عليّ بن عبدالله الورّاق ، وعليّ بن محمّد بن الحسن القزويني ، قالا : حدّثنا سعد بن عبدالله ، قال : حدّثنا العبّاس بن سعيد الأزرق ، قال : حدّثنا أبو نصر ، عن عيسى بن مهران ، عن يحيى بن الحسن بن الفرات ، عن حمّاد بن يعلى ، عن عليّ بن الحزور ، عن الأصبغ بن نُباتة ، عن محمّد بن الحنفيّة أنَّه ذُكِرَ عنده الأذان فقال :
     « لمّا أُسري بالنبيِّ إلى السماء ، وتناهز إلى السماء السادسة ، نزل مَلَكٌ من السماء السابعة لم ينزل قبل ذلك اليوم قطّ ، فقال : اللهُ أكبر ، اللهُ أكبر ؛ فقال الله جَلَّ جلاله : أنا كذلك.
     فقال : أشهد أن لا إله إلاَّ الله ، فقال الله عزّوجلّ : أنا كذلك ، لا إله إلاَّ أنا.
     فقال : أشهد أنَّ محمّداً رسول الله ، فقال الله جلَّ جلاله : عبدي وأميني على خلقي ، اصطفيته على عبادي برسالاتي.
     ثمّ قال : حيّ على الصلاة ، فقال الله جلَّ جلاله : فرضتها على عبادي وجعلتها لي دِيناً.
     ثمّ قال : حيّ على الفلاح ، فقال الله جلَّ جلاله : أفلح مَن مشى إليها وواظب
____________
(1) السيرة الحلبيّة 2 : 300 ـ 301 ، أمالي أحمد بن عيسى بن زيد 1 : 90 ، وعنه في الاعتصام بحبل الله 1 : 277.

( 45 )

عليها ابتغاء وجهي.
     ثمّ قال : حيّ على خير العمل ، فقال اللهُ جلَّ جلاله : هي أفضل الأعمال وأزكاها عندي.
     ثمّ قال : قد قامت الصلاة ، فتقدَّم النبيُّ صلى الله عليه وآله فأمَّ أهلَ السماء ، فَمِن يومئذٍ تمَّ شرف النبيّ صلى الله عليه وآله »(1).
     وقد جاء ما يماثل هذا في طرق الزيدية ، وأخرجه الحافظ العلوي في ( الأذان بحيّ على خير العمل ) ، فقال :
     حدّثنا أبو القاسم الحفص بن محمّد بن أبي عابد قراءةً ، حدّثنا زيد بن محمّد بن جعفر العامري ، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مروان ، حدّثنا أبي ، حدّثنا نصر بن مزاحم المنقري ، حدّثنا أيّوب بن سليمان الفزاري ، عن عليّ بن جردل ، عن محمّد بن بشر ، قال : جاء رجل إلى محمّد بن الحنفية فقال له : بلغنا أن الأذان إنّما هو رؤيا رآها رجل من الأنصار فقصّها على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فأمر بلالاً فأذّن تلك الرؤيا!
     فقال له محمّد بن الحنفية : إنّما يقول بهذا الجاهلُ من الناس ، إن أمر الأذان أعظم من ذلك.. إنّه لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وآله فانتُهي به إلى السماء السادسة جمع اللهُ له ما شاء من الرسل والملائكة ، فنزل مَلَك لم ينزل قبل ذلك اليوم ، عرفت الملائكة أنّه لم ينزل إلاّ لأمر عظيم ، فكان أوّل ما تكلّم به حين نزل ، قال : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال الله عزّوجلّ : أنا كذلك ، أنا الأكبر لا شيء أكبر مّني. ثمّ قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله ، فقال الله : أنا كذلك لا إله إِلاّ أنا . ثمّ قال : أشهد أن محمّداً رسول الله ، فقال الله : نعم ، هو رسولي بعثته برسالتي وأئتمنته على وحيي . ثمّ قال : حيّ على الصلاة ، فقال الله : أنا افترضتها على عبادي وجعلتها لي رضا . ثمّ
____________
(1) معاني الأخبار ، للصدوق : 42 ح 4 ، وعنه في بحار الأنوار 81 : 141.