الوحي لذلك...)(1).
     لكنّ هذا الجواب غير علميّ ولا دقيق ؛ لأنَّ مجرّد احتمال مقارنة الوحي لا يفيد ، إذ لو كان ذلك صحيحاً لذكرته الروايات المعتمدة في الباب ولم تنحصر باجتهادات أمثال ابن حجر.
     ثمّ لماذا لم ينزل الوحي على رسول الله حينما كان متحيّراً في أوّل أمره (أي حينما قَدِم المدينة) حتّى أخبره عبدالله بن زيد بمنامه ، ثمّ تطابق الوحي مع الرؤيا بعد ذلك ؟!
     إنَّ تعارض النصوص وتخالفها مع الثوابت الأُخرى تُخطِّئ هذه الرؤية ؛ لأنَّ القول بتشريع الأذان في المَسرى لا يتطابق مع حيرة النبيّ وسعيه لمشاورة الصحابة في المدينة ، وخصوصاً حينما نشم رائحة الغلوّ من بعض النصوص وادِّعاء نزول ما يشابه الوحي على عبدالله بن زيد ، أو على عمر ، أو بلال ، لقول عبدالله في بعض النصوص : « كأنّي وأنا بين نائم ويقظان » ، وفي آخر : « لولا أن يقول الناس لقلتُ بأنّي كنتُ يقظان غير نائم »!!
     أو ما جاء في نصوص أُخرى : « إنَّ جبرئيل أذَّن في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال ، فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ ثمّ جاء... » ، أفَلا ترى أنّ هذه النصوص ترفع من شأن عبدالله بن زيد ومن شأن عمرَ إلى مرتبة النبوّة ، وتغلو فيهما ؟!
     بل العجب العجاب أن نرى إلقاء العبء الأكبر في الأذان على عبدالله بن زيد بن عبدربّه الخزرجي الأنصاري ، هذا الصحابي غير الواضح المعالم في التاريخ والفقه ، والذي لم يُعرَف ولم يشتهر إلاّ عبر هذه المفردة ، إذ عرف بـ « الذي أُرِيَ الأذان ». ومثل ذلك ما قيل في سَمِيّه عبدالله بن زيد بن عاصم
____________
(1) فتح الباري 2 : 65 باب الأذان مثنى.

( 67 )

المازني الأنصاري « صاحب حديث الوضوء » الذي ألقوا على عهدته قسماً من الوضوء الثلاثي الغَسلي وادّعوا أن الأخبار الصحيحة جاءت عنه وهو منها بريء!
     فلماذا هذان الصحابيان الأنصاريان الغامضا المعالم ؟! اللذان لا يعرفان إلاّ في حديثَي الأذان والوضوء ؟!
     وبعد هذا ، لابدّ من الإشارة إلى إشكال آخر أثاره السُّهيليّ(1)والعسقلانيّ وغيرهما حاولوا الاجابة عنه.
     قال ابن حجر في إرشاد الساري : ( فإن قلتَ : ما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي ؟
     أُجيب : لما فيه من التنويه بالنبيّ والرفع لذِكره ؛ لأنَّه إذا كان على لسان غيره كان أرفَعَ لذكره وأفخَرَ لشأنه ، على أنَّه روى أبو داود في المَراسيل أنَّ عمر لمّا رأى الأذان جاء ليخبر النبيّ فوجد الوحي قد ورد بذلك ، فما راعه إلاّ أذان بلال ، فقال له عليه السلام : سبقك بها الوحي. ورواة هذا الحديث خمسة ، وفيه التحديث والإخبار )(2).
     وهذا التعليل عليل ، لأنَّه لو صحّ للزم لحاظ هذا الوجه في كلّ شيء ورد فيه ذِكر الشهادتين ، لأنَّ نقل ذلك على لسان غيره أرفع لذكره وأفخر لشأنه وأدفع لتهم أعدائه ، في حين نعلم بأنَّ الباري جَلَّ شأنه هو الذي رفع ذِكره بقوله : ( ورفعنا لك ذكرك )(3) ، وبعد هذا فلا يحتاج إلى أن يرفع ذكره بعد الباري جلّ شأنه أحدٌ.

____________
(1) في الروض الانف 2 : 356.
(2) إرشاد الساري 2 : 4.
(3) الشرح : 4.

( 68 )

     هذه أهمّ الأقوال التي قيلت في تشريع الأذان عند مدرسة أهل السنّة والجماعة ، وقد يمكن إرجاع بعضها إلى بعض ، وتقليص حجم اختلافاتها ، غير أنّ إعادة جميع النصوص إلى قول واحد محالٌ من القول ، لأنّ القول بتشريعها والتأذين بها في الإسراء والمعراج لايتّفق مع هَمِّ وغمّ رسول الله في المدينة وجلوسه مع أصحابه يستشيرهم في كيفيّة التأذين وطريقة جمع المسلمين على شيء واحد.
     وهكذا الحال بالنسبة إلى ما جاء عن عمر وأنّه كان أوّل من سمع أذان جبرئيل في السماء ثمّ بلال ، أو ما حكي عنه من أنّه أضاف الشهادة بالنبوة في الأذان بعد أن كانت فيه الشهادة بالتوحيد فقط ، فإنّه لا يتّفق مع تشريع الأذان في المسرى.
     وكذا القول بأنّ أبا بكر كان أوّل مَن أخبر رسولَ الله بالأذان ـ كما في خبر جامع المسانيد ـ فهو يخالف المشهور بين المحدّثين من أنّ عبدالله بن زيد الأنصاريّ كان أوّل مَن أخبر رسول الله بمنامه.
     وكذا الحال بالنسبة إلى ما اشتهر عن عبدالله بن زيد وأنّه أخبر رسول الله في الصّباح ـ بعد أن نام بالليل ـ لقوله : ( فلمّا أصبحتُ أتيت رسول الله ) أو : ( فلما غدا... ) وهو يخالف ما قاله الحافظ الدمياطي في سيرته من أنّ عبدالله بن زيد أتى رسول الله ليلاً وأخبره(1).
     وقد حاول الحلبيّ لجمع بين القولين ذاهباً إلى عدم المنافاة بينهما ؛ لأنّ جملة : ( فلمّا أصبحتُ ) أو : ( فلمّا غدا ) إشارة إلى مقاربة الوقت للصباح.
     وهذا تأويل بعيد يخالف الظاهر ، لأن المتبادر من كلمة ( فلما اصبحت ) أو ( غدوت ) صريح في الصبح ، فكان على الحلبي أن يخطّئ نقل الحافظ
____________
(1) انظر : السيرة الحلبية 2 : 299.

( 69 )

الدمياطي وهو خير له من أن يقول بهذا القول.
     وكذا الحال بالنسبة إلى عمر بن الخطّاب ، ففي بعض النصوص نراه يخرج حينما سمع الأذان ( وهو في بيته يجرّ رداءه ) ، وفي بعض آخر نراه يقترح على رسول الله بقوله : ( أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة ؟ ) ، فـ ( فخرج يجر رداءه ) يختلف مع ( أو لا تبعثون ) لكون الثاني يشير إلى أنَّ الأذان شُرِّعَ باقتراح عمر ابن الخطّاب وأنَّه كان بمحضر الرسول ، أمّا جملة ( فخرج يجر رداءه ) فتشير إلى أنَّه سمع الأذان وهو في بيته.
     قال القسطلاني في إرشاد الساري ـ بعد أن أتى بخبر ابن عمر السابق الذكر ـ : ( كان المسلمون حين قدموا المدينة ) ؛ قال الحافظ ابن حجر بأنَّ سياق حديث عبدالله بن زيد يخالف ذلك ، فإنَّ فيه أنَّه لمّا قصَّ رؤياه على النبيِّ ، قال : فسمع عمر الصوت فخرج فأتى النبيَّ فقال : رأيتُ مِثل الذي رأى . فدلَّ على أنَّ عمر لم يكن حاضراً لمّا قصَّ عبدالله.
     قال : والظاهر أنّ إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه ، وأنَّ رؤيا عبدالله كانت بعد ذلك ؛ وتعقّبه العينيّ بما رواه أبو داود عن أبي بشر ، عن أبي عمير ، عن أنس ، عن عمومة له من الأنصار ، أنّ عبدالله بن زيد : قال ( إذ أتاني آتٍ فأراني الأذان ، وكان عمر قد رآه قبل ذلك فكتمه ، فقال له النبيُّ : ما منعك أن تخبرنا... ) إلى آخره ، ليس فيه أنَّ عمر سمع الصوت فخرج ؛ فقال : فهو يُقَوي كلام القرطبيّ ويردّ كلام بعضهم ـ أي ابن حجر ـ انتهى.
     وأجاب ابن حجر في انتقاض الاعتراض بأنَّه إذا سكت في رواية أبي عمير عن قوله : فسمع عمر الصوت فخرج ، وأثبتها ابن عمر ، إنّما يكون إثبات ذلك


( 70 )

دالاً على أنَّه لم يكن حاضراً ، فكيف يعترض بمثل هذا ؟!(1).
     ومجمل الكلام أنّهم بهذه الوجوه سعوا للجمع بين بعض النصوص ، ولكن أنَّى لهم الجمع في مواردها الأخرى ؟ فانهم كلّما رقعوا منها جانباً انخرق منها جانب آخر ، ونحن تركنا مناقشة تلك الروايات سنداً خوفاً من الاطالة ، مكتفين بالتعليق على دلالة بعضها.
     وخلاصة القول : أنَّ الأذان كغيره من الشرائع قد جرى فيه اتِّجاهان :
     أحدهما : يقول بتشريعه في الإسراء والمعراج وأنَّه من الوحي الذي لا يجوز فيه الزيادة والنقصان.
     وثانيهما : يعتقد بأنَّ تشريعه جاء على أثر منام رآه عبدالله بن زيد بن عبد ربّه ، أو أنّه شُرِّع بمشورة من الصحابة.
     وقد اختلف الاتّجاهان في المفاهيم والأُصول ؛ لأنَّ القائل بتشريعه في الإسراء والمعراج يربطه بقضايا إلهيّة قدسيّة ، حيث إنَّ حقيقة الإسراء هي حقيقة عالية ترتبط بالغيب ، وإنَّ أهل بيت الرسالة وبعض الصحابة المتعبّدين كانوا هم المطّلعين بما دار في الإسراء والمعراج ، بعكس بعض قريش التي كانت تنكر حقيقة المسرى وتسخّف مغزاه ، فلم تكن تقبل بأن الرسول الأعظم تجاوز الحجب حتّى وصل إلى دار العظمة ، حاملاً معه مفاهيم ربانية وأفكاراً عالية لا يمكن الوصول إليها إلاَّ بالاستعانة بالقدرة الإلهيّة ، ولا يمكن معرفة دقائقها إلاّ عن أهل بيت الرسالة والوحي ، الذين وضحوا لنا المبهم من هذه الأمور.
     أمّا القائل بتشريعه عن طريق رؤيا رآها عبدالله بن زيد ، أو سبعة آخرون من الصحابة ، فيعطي لفكرته مسحة عدم التوقيف ، ليكون له مساغ في أن يزيد
____________
(1) إرشاد الساري 2 : 3.
`

( 71 )

في هذه الشعيرة المقدسة ، أو ينقص منها.
     قال السرخسي في المبسوط : « ... بدليل ما روي عن إبراهيم أنَّ : أوّل مَن أفرد الإقامة معاوية. وقال مجاهد : كانت الإقامة مثنى كالأذان حتّى استخفّه بعض أمراء الجور فأفرده لحاجة لهم »(1).
     وقال ابن عبدالبرّ ـ في فتح المالك بتبويب التمهيد على موطّأ مالك ـ وهو يريد أن يصحّح اختلاف أحاديث الأذان بقوله : ( روى عن النبيّ في قصَّة عبدالله بن زيد هذه في بدء الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعانٍ متقاربة ، وكلّها تتّفق على أنَّ عبدالله بن زيد أُري النداء في النوم ، وأنَّ رسول الله أمر به عند ذلك ، وكان ذلك أوّل أمر الأذان... )(2).
     فهذا النصّ وما سبقه يتضح منهما أن غالب أهل السنّة والجماعة يقولون بعدم توقيفيّة الأذان بالنحو الذي تقوله الشيعة ، إذ العامة يستدلون على شرعيّة الأذان بمنام عبدالله بن زيد حتّى أنّ بعض أمراء الجور أفرد الإقامة لحاجة له.
     والعجب في هذا الباب ما قاله ابن عبدالبرّ في موضع آخر من الكتاب المذكور : « في حديث هذا الباب لمالك وغيره من سائر ما أوردنا فيه من الآثار أوضح الدلائل على فضل الرؤيا وأنّها من الوحي والنبوّة ، وحسبك بذلك فضلاً لها وشرفاً ، ولو لم تكن وحياً من الله ما جعلها شريعة ومنهاجاً لدينه »(3).

____________
(1) المبسوط 1 : 129 كتاب الصلاة باب بدء الأذان ، وانظر : المصنف لعبدالرزّاق 1 : 463/1793.
(2) فتح المالك 2 : 3.
(3) فتح المالك 2 : 7.

( 72 )

     قال أبو عمر(1) : « اختلفت الآثار في صفة الأذان وإن كانت متّفقة في أصل أمره ، كان من رؤيا عبدالله بن زيد ، وقد رآه عمر بن الخطّاب أيضاً(2)!!! »
     أفلا يدل قوله هذا على أنّ لعبدالله بن زيد وعمر بعض النبوّة ؟!!
     كانت هذه صورة مصغّرة عن اختلاف الآراء في مدرسة الخلفاء حول بدء تشريع الأذان ، وكيف اتفقت مدرسة أهل البيت ومعها الصحابة المتعبدون على أنّه كان في الإسراء بتعليم من الله العليّ العظيم.
____________
(1) هو ابن عبدالبرّ.
(2) التمهيد لابن عبدالبر 24 : 27.

( 73 )

تحقيق في ما وراء نظريّة الرؤيا

     بعد أن توصلنا إلى وجود اختلاف بين المسلمين في كيفيّة تشريع هذه الشعيرة الإسلامية ، وعلمنا أن أهل بيت النبوّة لا يقبلون فكرة الرؤيا ، حاولنا تحديد زمن النزاع بين المسلمين ، والدوافع الكامنة وراء طرح مثل هذه الآراء في الشريعة.
     ممّا لا شك فيه أنّ قدرات المسلمين وأفهامهم وإدراكاتهم لحقيقة الإيمان والإسلام لم تكن بمرتبة واحدة.
     فالبعضُ منهم كان يفهم مغزى الرسالة ومكانة الرسول وما يريده الله من أوامره ونواهيه بدقّة عالية فكان يتعبد بما قاله رسول الله ولا يرى لنفسه الخيرة من أمره.
     والبعض الآخر كان يرى لنفسه حقّ التشريع وإبداء الرأي مسمّياً فعله بالاجتهاد.
     وهناك اتّجاه ثالث أغرق في النزع ، فراح يتعامل مع الرسول كأنّه رجل حارب فانتصر!
     ورابع وخامس و...
     وقد وضحنا في دراستنا لأسباب « منع تدوين الحديث » ونتائجه هذه الاتجاهات وقلنا أنّها جميعاً تنخرط وتنتظم في نهجين هما :
     1 ـ المتعبدون = التعبد المحض.
     2 ـ المجتهدون = الاجتهاد بالرأي.
     ونحن لا نريد أن نعود إلى ما كتبناه سابقاً ، بل نريد الإشارة إلى بعض الشيء


( 74 )

عن هذين النهجين ، مؤكدين الكلية التي رسمناها في دراسة ملابسات التشريع ، مبينين كيفية تطبيقها في مفردة الأذان ، وكيف ارتبطت قضية الأذان بالمنام بعد ثبوتها في الاسراء والمعراج ، وما هو ارتباطها بالرؤيا التي أقلقت النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ تلك الرؤيا التي رأى صلى الله عليه وآله فيها بني أميّة يَنْزُون على منبره الشريف نَزْوَ القردة ؟
     وقد رأينا تقديم شيء من خبر الإسراء والتحريفات الواقعة فيه ؛ لارتباطه ببيان رؤيتنا بصدد الرؤيا في الأذان ، وهو بيان لدواعي اختلاف المسلمين في بدء الأذان ، فنقول :
     إنّ خبر الإسراء والمعراج ثابت لا كلام فيه ، وقد وردت سورة باسم الإسراء في الذكر الحكيم.
     وقد اختلف المسلمون في يوم الإسراء ومكانه وكيفيّة عروجه صلى الله عليه وآله إلى السماء ، وما جرى في الإسراء والمعراج ، وهل أُسري به مرّة أو مرّتين(1)أو أكثر من ذلك(2) ، وهل كان عروجه بروحه وجسده أم بروحه فقط ؟ على أنّ هناك من فصل بين إسرائه ومعراجه ، فقال بأن إسراءَهُ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان بروحه وجسمه ، وأنّ عروجه إلى السماء كان بروحه فقط ؟
     فالذين لا يدركون عمق الرسالة ومكانة الرسول شكّكوا في حقيقة الإسراء والمعراج وقالوا بأشياء لا تتفق مع رسالة الغيب والوحي ، وقد ارتدّ بعض من
____________
(1) انظر : على سبيل المثال تفسير ابن كثير 3 : 22 حيث قال : وقد صرّح بعض من المتأخّرين بأنّه عليه السلام أُسري به مرّة من مكّة إلى بيت المقدس فقط ، ومرّة من مكّة إلىالسماء فقط ، ومرّة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء.
(2) الخصال : 600. وانظر : علل الشرائع : 149.

( 75 )

أَسلَمَ حينما سمع بخبر الإسراء ، وهناك من ثبت على الدين وصَدَّق بما قال الرسول وبما حكاه من مشاهدات ومغيّبات ، كبعض الصحابة المتعبدين المخلصين الذين شهد لهم التاريخ بصدقهم ووفائهم وبقائهم على العهد الذي فارقوا رسول الله صلى الله عليه وآله عليه.
     نعم ، قد اختلفت النصوص في مكان الإسراء ، فالبعض منها صرحت بأنّه صلى الله عليه وآله أسري به من شعب أبي طالب(1) ، والأُخرى من بيت خديجة(2) ، وثالثة من بيت فاختة « أمّ هاني » بنت أبي طالب(3)أخت الإمام عليّ ، ورابعة من بيت عائشة(4).
     ففي تفسير الطبري بإسناده عن أبي صالح بن ياذم ، عن أُمّ هاني بنت أبي طالب في مسرى النبيّ أنّها كانت تقول : ما أُسري برسول الله إلاّ وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة ، فصلّى العشاء الآخرة ثمّ نام ونمنا ، فلما كان قُبيل الفجر أهبَّنا رسول الله ، فلمّا صلّى الصبح وصلّينا معه قال : يا أُمّ هاني ، لقد صلّيتُ معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الوادي ، ثمّ جئتُ بيت المقدس فصلّيت فيه ، ثمّ صلّيت صلاة الغداة معكم الآن كما تَرَين(5).
    
____________
(1) فتح الباري 7 : 160 كتاب أحاديث الأنبياء ، باب المعراج ، الدرّ المنثور 4 : 149سورة الإسراء عن ابن أبي حاتم عن قتادة.
(2) المجموع النووي 9 : 248 باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز ، فرع في مذاهب العلماء في بيع دور مكّة ، شرح الأزهار 1 : 199.
(3) المغني 10 : 616 كتاب الجزية ، الشرح الكبير 10 : 621 كتاب الجزية ، فتح الباري 7 : 160 ، تحفة الأحوذي 9 : 193.
(4) الدرّ المنثور 4 : 157 ، 154 سورة الإسراء الآية 1 ، الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1 : 194.
(5) تفسير الطبري 15 : 3 سورة بني إسرائيل الآية 1.

( 76 )

     وفي بعض الآثار أنّ أمّ هاني قالت : فقدتُه صلى الله عليه وآله ـ وكان نائماً عندي ـ فامتنع منّي النوم مخافةَ أن يكون عرض له بعض قريش. ويقال : أنّه تفرّقت بنو عبدالمطلّب يلتمسونه ، ووصل العبّاس إلى ذي طُوى وهو ينادي : يا محمّد ، يا محمّد ، فأجابه صلى الله عليه وآله .
     فقال : يا ابن أخي ، أعيَيْتَ قومك! أين كنت ؟
     قال : ذهبتُ إلى بيت المقدس.
     قال : مِن ليلتك ؟!
     قال : نعم.
     قال : هل أصابك إلاّ خير ؟
     قال : ما أصابني إلاّ خير ، وقيل غير ذلك(1).
     وفي روضة الكافي عن الصادق عليه السلام قال : لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وآله أصبح فقعد فحدَّثهم بذلك ؛ فقالوا له : صِفْ لنا بيت المقدس. قال : فوصف لهم ، وإنّما دخله ليلاً فاشتبه عليه النعت ، فأتاه جبرئيل فقال : انظر هاهنا ، فنظر إلى البيت فوصفه وهو ينظر إليه ، ثمّ نعت لهم ما كان من عِير لهم فيما بينهم وبين الشام ، ثمّ قال : هذه عير بني فلان تَقدِم مع طلوع الشمس يتقدّمها جملٌ أورَق أو أحمر. قال : وبعثت قريش رجلاً على فرس ليردّها ، قال : وبلغ مع طلوع الشمس ، قال قرطة بن عبد عمرو : يا لَهفا!! ألاّ أكون لك جذعاً حين تزعم أنّك أتيت بيت المقدس ورجعت من ليلتك!(2) وفي أمالي الصدوق بإسناده عن الإمام الصادق عليه السلام قال : لمّا أسري برسول
____________
(1) تفسير روح المعاني 15 : 6 سورة بني إسرائيل الآية 1 ، الدر المنثور 4 : 149 سورة الإسراء الآية 1.
(2) روضة الكافي 8 : 262 / الحديث 376. وانظر : الدرّ المنثور 4 : 148 ـ 149.

( 77 )

الله إلى بيت المقدس حمله جبرئيل على البُراق ، فأتَيا بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلّى بها وردّه ، فمرّ رسول الله في رجوعه بعِيرٍ لقريش ، وإذا لهم ماء في آنية وقد أضلّوا بعيراً لهم وكانوا يطلبونه ، فشرب رسول الله من ذلك الماء وأهرق باقيه.
     فلما أصبح رسول الله قال لقريش : إنّ الله جلّ جلاله قد أسرى بي إلى بيت المقدس وأراني آثار الأنبياء ومنازلهم ، وإنّي مررت بعِيرٍ لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيراً لهم فشربتُ من مائهم وأهرقتُ باقي ذلك ، فقال أبو جهل : قد أمكنتكم الفرصة منه ، فاسألوه : كم الأساطينُ فيها والقناديل ؟
     فقالوا : يا محمّد ، إنّ ها هنا من قد دخل بيت المقدس ، فصِفْ لنا كم أساطينُه وقناديله ومحاريبه ؟
     فجاء جبرئيل فعلّق صورة بيت المقدس تجاه وجهه ، فجعل يخبرهم بما يسألونه عنه ، فلمّا أخبرهم ، قالوا : حتّى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت ، فقال لهم رسول الله : تصديقُ ذلك أن العِير تطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جملٌ أورَق.
     فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العَقَبة ويقولون : هذه الشمس تطلع [ علينا ] الساعة ، فبينما هم كذلك إذ طلعت عليهم العِير ، حتّى طلع القرص يقدمها جمل أورَق ، فسألوهم عمّا قال رسول الله فقالوا : لقد كان هذا ؛ ضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا ، ووضعنا ماءً فأصبحنا وقد أهريق الماء فلم يَزِدْهم ذلك إلاّ عُتوّاً(1).
     وروى البغوي في تفسيره عن ابن عبّاس وعائشة عن رسول الله صلى الله عليه وآله : لمّا كانت ليلة أُسري بي أصبحت بمكّة فضِقتُ بأمري وعرفتُ أنّ الناس
____________
(1) أمالي الصدوق : 363 ، المجلس 69 ـ الحديث 1. وانظر : الدرّ المنثور 4 : 148.

( 78 )

يكذّبوني ، فروي أنّه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلاً حزيناً ، فمرّ به أبو جهل فجلس إليه ، فقال له كالمستهزئ : هل استفدتَ من شيء ؟
     قال : نعم ، إنِّي أُسري بي الليلة.
     قال : إلى أين ؟
     قال : إلى بيت المقدس.
     قال : ثمّ أصبحتَ بين ظَهرانينا ؟!
     قال : نعم.
     فلم يُرِهِ أبو جهل أنّه ينكر ذلك مخافة أن يجحده الحديث ، قال : أتُحدِّثُ قومك بما حدثتني به ؟
     قال : نعم.
     قال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤيّ ، هلمّوا. قال : فانقضّت إليه المجالس فجاؤُوا حتّى جلسوا إليهما ، قال : فحدِّثْ قومك بما حدّثتني ؟
     قال : نعم ، أنّه أُسري بي الليلة.
     قالوا : إلى أين ؟
     قال : إلى بيت المقدس.
     قالوا : ثمّ أصبحت بين ظهرانينا ؟
     قال : نعم.
     قال : فمِن بين مصفّق ، ومن بين واضعٍ يدَه على رأسه متعجّباً للكذب ، وارتدّ ناسٌ ممن كان آمن به وصدّقه...(1)      قال ابن إسحاق : وحدِّثتُ عن الحسن : .... فلمّا أصبح صلى الله عليه وآله غدا على قريش
____________
(1) تفسير البغوي 3 : 79. وانظر : مختصر تاريخ دمشق 17 : 189 ترجمة عليّ بن أحمد ابن المبارك.

( 79 )

فأخبرهم الخبر ، فقال أكثر الناس : هذا والله الأمر البيِّن! والله إنّ العِير لتطرد شهراً من مكّة إلى الشام ؛ مُدبرةً شهراً ومُقبلةً شهراً ، فيذهب ذلك محمّد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكّة!
     قال : فارتدّ كثير ممن كان أسلم(1)...
* * *
     كان هذا بعض الشيء عن الإسراء والمعراج وتكذيب قريش بهما ، وارتداد بعض المسلمين ، وقد سعت قريش وعن طريق حكّام بني أميّة وبعض علماء البلاط في العصور المتأخّرة إلى التشكيك في الإسراء والمعراج والتقليل من عظمة هذا الأمر الإلهيّ ومكانة الرسول بطرح تشكيكات ذات طابع جدلي ، كالقول باستحالة صعود الأجسام إلى العالم العلوي بهذه السرعة الخارقة للعادة بحيث يذهب في آخر الليل ويرجع إلى مكّة عند الفجر ، وعدم تطابق ما قيل في مقدمات هذا السفر الإلهي من شقّ الصدر وغسله بماء زمزم وركوبه صلى الله عليه وآله البراق و... مع العقل.
     كلّ تلك التساؤلات بل قل التشكيكات جاءت مساوقة للتشكيك في مدلول قوله تعالى في الآية 60 من سورة الإسراء ؛ إذ قال سبحانه ( وما جعلنا الرؤيا الّتي أريناكَ إِلاَّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونة ) حيث قالوا بأنّ الإسراء والمعراج كان بروحه صلى الله عليه وآله ـ لا بجسمه وروحه ـ كي يقللوا من واقع الإسراء ويعضّدوا القول بأنّه كان في المنام لا في اليقظة و...
     فقد أخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عائشة رضى الله تعالى عنها ، قالت : ما فقدتُ جسدَ رسولِ الله ، ولكنّ الله أسرى بروحه(2).
____________
(1) أحكام القرآن للقرطبي 10 : 285 سورة بني إسرائيل الآية 60.
(2) الدرّ المنثور 4 : 157. وفي تفسير الطبري 15 : 13 حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، قال : حدّثني بعض آل أبي بكر أنّ عائشة كانت تقول : مافُقد جسدُ رسول الله ولكنّ الله أسرى بروحه.

( 80 )

     وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن معاوية بن أبي سفيان أنّه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله قال : كانت رؤيا صادقة(1).

قال القرطبي في تفسيره : وقد احتُجَّ لعائشة بقوله تعالى : ( وما جعَلنا الرؤيا التي أريناك إلا فِتنةً للناس ) فسمّاها رؤيا.
وهذا يردّه قوله تعالى : ( سبحان الذي أَسرى بعبدِه ليلاً ) ، ولا يقال في النوم : « أسرى » ، وأيضاً فقد يقال لرؤية العين « رؤيا »... وفي نصوص الأخبار الثابتة دلالة واضحة على أنّ الإسراء كان بالبدن...(2)
وقال ابن عطيّة الأندلسي : ... والصحيح ما ذهب إليه الجمهور ، ولو كانت منامة ما أمكن قريشاً التشنيع ، ولا فضّل أبو بكر بالتصديق ، ولا قالت له أمّ هاني : لا تُحدِّث الناس بهذا فيكذبوك ، إلى غير هذا من الدلائل.
واحتجّ لقول عائشة بقوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فِتنةً للناس ) ويحتمل القول الآخر ؛ لأنّه يقال لرؤية العين « رؤيا ». واحتجّ أيضاً بأنّ في بعض الأحاديث « فاستيقظت وأنا

____________
(1) الدرّ المنثور 4 : 157. وفي تفسير الطبري 15 : 13 حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة عن محمد بن إسحاق ، قال : حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنّ معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وآله قال : كانت رؤيا من الله صادقة!
(2) تفسير القرطبي 10 : 209 سورة الاسراء الآية 1.

( 81 )


في المسجد الحرام » ، وهذا محتمل أن يريد من الإسراء النوم.
واعترض قول عائشة بأنّها كانت صغيرة لم تشاهد ولا حدّثت عن النبي عليه السلام ، وأمّا معاوية فكان كافراً في ذلك الوقت غير مشاهد للحال ، صغيراً ، ولم يحدّث عن النبيّ...(1)
وقال ابن كثير : ... فلو كان مناماً لم يكن فيه كبير شيء ، ولم يكن مستعظماً ، ولما بادرت قريش إلى تكذيبه ، ولما ارتدّت جماعة ممّن كان قد أسلم ، وأيضاً فإن « العبد » عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال : ( اسرى بعبدِه ليلاً )...(2)
ويجري مجرى قوله تعالى : ( سبحان الذي أسرى بعبدِه ) ما في سورة النجم ، فقوله تعالى : ( ما زاغ البصَرُ وما طغى * لقد رأى من آياتِ ربِّهِ الكُبرى )(3)لا يتّفق مع الرؤيا ، بل الآية في سياق الامتنان وبيان آيات ربّه الكبرى ، أمّا الرؤيا فهي نحو من التخيّل يتفق للصالح والطالح ولا منزلة للرسول في القول بهذا.
هذا ويمكن إجابة كلّ التساؤلات والتشكيكات بأنّ الأمر كان معجزةً ، والمعجزةُ لا تدركها العقول البسيطة ، فهي من قبيل إحياء الأموات ، وتبديل العصى ثعباناً ، وكولادة عيسى من غير أَب ، وخروج ناقة صالح من الجبل الاصم ، وقوله تعالى : ( فخذ أربعة مِن الطَّيرِ فصُرْهُنَّ إليكَ ثمّ اجعَلْ على كُلِّ جَبَلٍ منهُنَّ جُزءاً ثمّ ادعُهُنَّ يأتِينَكَ سَعْياً واعلَمْ أنّ اللهَ عزيز حكيم )(4) ، وقوله تعالى :

____________
(1) المحرر الوجيز 3 : 435 ، وانظر : تفسير الثعالبي 2 : 248.
(2) تفسير ابن كثير 3 : 23 سورة الإسراء آية 1.
(3) النجم : 17 ـ 18.
(4) البقرة : 260.

( 82 )

( قالَ الذي عِندَهُ عِلمٌ من الكتابِ أنا آتِيكَ به قبلَ أن يَرتَدَّ إلَيكَ طَرفُكَ )(1) صريحٌ بإحضار ( من عنده علم من الكتاب ) لعرش بلقيس من اقصى اليمن إلى اقصى الشام في مقدار لمح البصر ، وهو يشبه ما قاله سبحانه عن الرياح وأنّها كانت تسير بسليمان ( غدوها شهرٌ ورَواحُها شَهر )(2)في لحظة واحدة ، إلى غيرها من عشرات بل مئات الموارد.
     إذاً رسالة الإسلام هي رسالة الغيب والإيمان بما خلق الله من الجنِ والملك والروح و... والمسلم هو الذي يؤمن بالغيب لقوله تعالى : ( الذين يومنون بالغيب )(3).
     فلو كان معراج النبيّ محمّد في ليلة واحدة ممتنعاً لكان القول بنزول آدم من الجنّة وإصعاد عيسى إلى السماء ممتنعاً ، بل لسرى الشك في المعجزات لأنّها في أصلها خرقٌ للقوانين المادية.
     وعليه فهذه الرؤية طرحت لبذر الشكّ في قلوب المؤمنين من قبل ( الذين في قُلوبِهم مَرَض )(4)أو ( الذين لا يؤمنون )(5)في حين أنّ رسالة السماء معناها الغيب والماورائيات وهي تتفق مع الإسراء وما جاء فيه ، وهذا ما لا تدركه عقول هؤلاء من الامتحان الإلهيّ الذي سُنّ ليمحّص الله به المؤمنين ويميزهم عن الكافرين والمنافقين.
     هذا وقد أجاب العلاّمة الطباطبائي في ( الميزان ) عمّا قاله بعض المفسّرين
____________
(1) النمل : 40.
(2) سبأ : 12.
(3) البقرة : 3.
(4) المائدة : 52 ، التوبة : 125 ، الأنفال : 49.
(5) النحل : 22.

( 83 )

من أنّ الشجرة الملعونة في القرآن تعني شجرة الزقّوم التي قال عنها الباري جلّ شأنه : ( أذلكَ خَيرٌ نُزُلاً أم شَجَرةُ الزقُّوم * إنّا جَعَلناها فِتنةً للظالمين )(1) ، بأنّ هذا الاحتمال بعيد جدّاً لأنّه جلّ شأنه لم يلعنها في موضع من القرآن الكريم ، ولو كان مجردّ كونها شجرةً تخرج من أصل الجحيم سبباً موجباً للعنها في القرآن الكريم لكانت النار وما أعدّ الله فيها من العذاب ملعونة وهذا ما لم يَقُله أحد ، ولكان ملائكةُ العذاب ـ الذين قال عنهم جل شأنه : ( وما جعلنا أصحابَ النار إلا ملائكةً وما جَعَلنا عِدَّتَهُم إلاّ فِتنةً للذينَ كفروا )(2) ـ ملعونين ، في حين نراه سبحانه قد أثنى عليهم بقوله : ( عليها ملائكة غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعصُونَ اللهَ ما أمرَهُم ويَفعلونَ ما يُؤمَرون )(3).
     ولو صحّ هذا الاحتمال لكانت أيدي المؤمنين ملعونة كذلك ؛ لقوله : ( قاتِلوهُم يُعَذّبْهُمُ اللهُ بأيدِيكُم )(4).
     ومثله حال بقية المعاذير التي ذكرها مفسروا أهل السنة والجماعة للتخلّص من كيفية صحّة لعن الشجرة ، ومحاولتهم صرف الآية الكريمة عن لعن شجرة بني أميّة(5)َ.
     وإنكّ لو تدبّرتَ في تفسير قوله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أرَيناكَ إلاّ فتنةً للناسِ والشجرةَ الملعونةَ في القرآن ) لعرفت أنّ المقصود منها بنو أميّةِ ؛ لما فعلوه
____________
(1) الصافّات : 62 ـ 63.
(2) المدّثر : 31.
(3) التحريم : 6.
(4) التوبة : 14.
(5) انظر : على سبيل المثال تفسير الميزان 13 : 141 ـ 143 ففيه جواب تلك المعاذيرالمطروحة.

( 84 )

من قبيح الأعمال ، ولا يصحّ ما قالوه بأنّ المعنيّ من الرؤيا هي الإسراء وغيرها من الأفكار الفاسدة.
     وبهذا فقد عرفت أنَّ جهلهم بالاُمور الغيبية ومكانة الرسول لم يكن عن قصور أو تقصير بَدْويَّينِ ، بل إنَّ جذوره ترجع إلى خلفيات هي أعمق ممّا قالوه بكثير.
     مع الرسول ورؤياه
     قال الالوسي في تفسير آية الرؤيا : ...وأخرج ابن جرير ، عن سهل بن سعد ، قال : « رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني أميّة يَنْزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك ، فما استجمع ضاحكاً حتّى مات عليه الصلاة والسلام ، وأنزل الله تعالى هذه الآية : ( وما جعلنا الرؤيا ) وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني أميّة على المنابر فساءه ذلك ، فأوحى الله إليه : إنّما هي دنيا أُعطُوها ، فقرّت عينه ، وذلك قوله تعالى : ( وما جعلنا )... الخ.
     وأخرج ابن أبي حاتم ، عن يعلى بن مرّة ، قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : رأيت بني أميّة على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء ، واهتمّ عليه الصلاة والسلام لذلك ، فأنزل الله سبحانه : ( وما جعلنا )... الآية »
     وأخرج عن ابن عمر : أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال : « رأيتُ ولد الحَكَم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة ، وأنزل الله تعالى في ذلك ( وما جعلنا )... الخ ، والشجرة الملعونة الحكم وولده » وفي عبارة بعض المفسرين : هي بنو أميّة.
     وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنّها قالت لمروان بن الحكم : « سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لأبيك وجدّك : إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن ».


( 85 )

     فعلى هذا معنى إحاطته تعالى بالناس إحاطة أقداره بهم ، والكلام على ما قيل على حذف مضاف ، أي « وما جعلنا تعبير الرؤيا » أو الرؤيا فيه مجاز عن تعبيرها ، ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبراً ، وبذلك فسره ابن المسيب.
     وكان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا ، وعدلوا عن سنن الحقّ وما عدلوا ، وما بعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاءهم منهم ، ممن كان عندهم عاملا وللخبائث عاملاً ، أو ممن كان من أعوانهم كيفما كان.
     ويحتمل أن يكون المراد « ما جعلنا خلافتهم وما جعلناهم أنفسهم إلاّ فتنة » ، وفيه من المبالغة في ذمهم ما فيه. وجعل ضمير ( نخوّفهم ) على هذا لما كان له أوّلاً ، أو للشجرة باعتبار أن المراد بها بنو أميّة ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة ، والفروج المحصنة ، وأخذ الأموال من غير حلها ومنع الحقوق عن أهلها ، وتبديل الأحكام ، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام ، إلى غير ذلك من القبائح العظام والمخازي الجسام التي لا تكاد تُنسى ما دامت الليالي والأيام.
     وجاء لعنهم في القرآن ، إما على الخصوص كما زعمته الشيعة ، أو على العموم كما نقول ، فقد قال سبحانه وتعالى : ( إن الذين يؤذونَ اللهَ وَرسولَهُ لَعَنهُم الله في الدنيا والآخرة ) وقال عزّوجلّ : ( فهل عسيتُم إن تَوَلَّيتُم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامَكُم أولئكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فأصَمَّهُم وأعمى أبصارَهُم ) إلى آيات أخر ، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا أوّليّاً(1) ، انتهى موضع الحاجة من كلام الآلوسي.
____________
(1) تفسير روح المعاني 15 : 107 ـ 108 ، هذا ومن المفيد الرجوع إلى التفسير الكبير للرازي 20 : 236 ـ 237 لملاحظة سائر الأقوال في الآية المباركة.