من هو البادئُ بالخلاف

لم يكن هدفنا بهذا التقديم إعادة أو تلخيص ما مر في البحث التاريخي للدراسة
(المدخل) ، لكن لطول الفترة بين خروج البحث التاريخي للدراسة والبحث الروائي
واحتمال نسيان القراء ما قدمناه في الزاوية الأولى ، حبّذنا إعطاء صورة إجمالية عن
البحث التاريخي هنا ، كي يقف المطالع للزاوية الثانية من الدراسة على ما قدمناه في
الأولى ، وهذا ما يفيد قراء الزاوية الأولى (المدخل) كذلك ، لأنه بمثابة الإعادة
للكليات التي قرؤوها فيه ، وبذلك يمكنهم ربط البحثين معاً.

فقد عرفنا سابقاً البادئ بالخلاف ، إذ وضّحنا وجود مؤشرات كثيرة دالة على
كون الخليفة عثمان بن عفّان هو الذي بَدَأ الخلاف في الوضوء ، وأنّ المسلمين لم
يأخذوا بقوله وفعله أيام حياته ؛ لما عرفت من اختلاف الناس معه ، لكنّ الخلفاء ـ
أمويين كانوا أم عباسيين ـ أكدوا على وضوء عثمان لمصالح ارتضوها في العصور
اللاحقة.

وقد رأينا كيف أنّ عثمان بن عفّان ـ ونظراً لكثرة الناس الماسحين ، وتحديثهم
عن رسول الله ، وقوّة استدلالهم ـ انحسر وراح يتخذ مواقفَ دالة على ضعفه أمامهم ،
مشيراً إلى قوة الاتجاه المعارض له ، حيث :

1ـ إنّ عثمان لم يرم « الناس » بالكذب أو البدعة أو الإحداث ، بل وصفهم
بالتحديث ، ولم يشكّك فيهم ، وهذا اعتراف منه بأنهم متحدّثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله
غير كذّابين ولا مبتدعين ولا مُحْدِثين ، ولو كانوا كذلك لقال عنهم ما يجب القول
فيهم من الكذب والبدعة و... ، كما نسبوا هم إلى الخليفة ذلك ، لا أن يتجاهل
مروياتهم بقوله (لا أدري ما هي) ، والخليفة بقوله ذلك كشف لنا ماهيّة ومنزلة أولئك
(الناس) إجمالاً.

2ـ لو كان (الناس) هم البادئين بالخلاف لاستعمل عثمان معهم أحد أساليب
ثلاثة :
( 31 )
أ ـ أسلوب الردع الحاسم ، وهو ما فعله الخليفة عمر بن الخطّاب مع ضبيع
بن عُسل الحنظلي ، وهو الأسلوب الذي استعمله عثمان على نطاق واسع مع
الصحابة وفي أبسط جزئيات الأمور.
ب ـ طلب النصرة ، بأن يستنصر المسلمين استنصاراً عامّاً ليقضي على ما
أدخله أولئك في الدين ، كما جاء في تعليل أبي بكر في قتاله لقبيلة مالك بن نويرة
وغيرها بأنهم منعوا الزكاة !!.
جـ ـ المحاججة ، بأن يدعو عثمان « الناس المتحدثين » ويحاججهم بالدليل ،
ليقف المسلمون على عوزهم العلمي ، ولعلّ منهم من يرجع عن موقفه ، وذلك هو
ما فعله الإمام علي حين أرسل ابنَ عباس لمحاججة الخوارج ، فرجع منهم من رجع.

لكننا لم نر عثمان اتخذ أيّاً من هذه الأساليب معهم ، بل ظهر في موقع المدافع
المتّهم المشار إليه ، مع أنّه استعمل العنف في حياته ، فسيّر المعترضين على
سعيد بن العاص في الكوفة ، كما سيّر ابا ذر ، ومنع ابن مسعود من قراءته ، وضرب
عماراً وداسه حتّى أصابه الفتق ، وهدّد علياً لمشايعته لأبي ذر واعتراضه على
محاولة تسيير عمار.

فالملاحظ هو أنّ عثمان بن عفّان رغم شدته كان يبدو وديعاً عند طرحه
لاجتهاداته ، وعند اعتراض بعض المسلمين عليه فيها ، فلمّا اعتُرض عليه في إتمام
الصلاة بمنى مازاد على قوله « رأي رأيته » ، وحين خالفه علي في أكل صيد الحرم
مازاد على أن نفض يديه وقام وقال : « مالك لا تدعنا » ؟! مع أنّ الظروف الموضوعية
والأهميّة الشرعية تقتضي استعمال القوة فيما لو كان هو صاحب الفكرة الحقة.

وهذه الوداعة نفسها أبداها عثمان في جميع وضوءاته وطروحاته فيه ، فراح
يركّز الفكرة بالهدوء والاستفادة من « أحسن الوضوء » ودعوته مواليه ووو... كما
علمت وستعلم.

كما أنّ عثمان لم يطلب النصرة من المسلمين ولا استصرخهم ، بل هم الذين
استصرخ بعضُهم بعضاً للقضاء على إحداثات عثمان حتّى قتلوه ، فلو أنّ « الناس
المتحدثين » كانوا هم البادئين لا ندفع المسلمون ـ والرواة منهم بدافع الحرص على
( 32 )
الدين ـ ووضّحوا للناس الأمر ، وأسقطوا التكليف عن الخليفة وكفوه المواجهة ، كما
رأينا ذلك في منع الزكاة وتصدّي الصحابة لنشر ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله في مانعي
الزكاة وعقوبتهم ووجوب أدائها.

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى نرى مؤشّرات معاكسة لهذا المفروض ، تدلّنا
على أن الخليفة هو البادئ بالخلاف ، وتلك المؤشرات هي :

أ ـ إنّ الخليفة عثمان لم يصرّح ولا باسمِ واحد من معارضيه ، ممّا يدل على
تخوّفه من أمرٍ مّا.

ب ـ مرّ أنه لم يرمهم بالكذب والابتداع ، بل اقتصر على وصفهم بأنهم يتحدثون
عن رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثمّ تجاهلهم وتجاهل مرويّاتهم !!

جـ ـ إننا لم نجد حتّى لأصحاب عثمان المقربين منه ـ كمروان بن الحكم
والمغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت ـ دفاعات عن وضوئه ، فإنّهم لم يقدموا على ذلك ،
مع أنّ منهم من دافع عنه يوم الدار.

3 ـ إنّ عثمان بن عفّان اتّخذ أساليب غير مألوفة في إعلانه عن وضوئه الجديد ،
ممّا يؤكّد وقوفه في موقف المتّهم الذي يريد طرحَ شيءٍ جديد ، وذلك عبر النقاط
التالية :

أ ـ إنّ عثمان راح يجنّد مواليه لنقل فكرته الوضوئية عنه ، كحمران وابن دارة ،
مع أنّ حمران كان من سبي عين التمر وقد أسلم في السنة الثالثة من خلافة عثمان ،
وهذا يدل على أنّ صدور نقله للوضوء عن عثمان جاء متأخراً عن هذا التاريخ ، وهو
ممّا يؤكد صدور ابتداع الوضوء من عثمان في الستّ الأواخر من حكمه ، شأنه شأن
باقي آرائه واجتهاداته التي نقمها عليه المسلمون. وهو الذي جعل الإمامَ علـيّاً يقول
عنه (حتّى أجهز عليه عمله).

ب ـ ابتداء عثمان ـ ولأدنى الأسباب ـ بتعليم الوضوء تبرّعاً وبدون سؤال
سائل ، كمسارعته لتعليم ابن دارة وضوءه الغسلي بمجرّد سماع مضمضته
(1) ،
____________
(1) سنن البيهقي 1 : 62 ـ 63.
( 33 )
وكجلوسه على المقاعد وطرحه لوضوئه الغسلي
(1) .

كما أنّ هناك عبارة « أحببت أن أريكموه »
(2) ، وهي صريحة في التبرّع ، وقد
استعملها معاوية أيضاً في الوضوء الغسلي بزيادته مسح الرأس بغرفة من ماء حتّى
يقطر الماء من رأسه أو كاد يقطر ، وأنّه أراهم وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله
(3) ، ونفس العبارة
جاءت في وضوء للبراء بن عازب
(4) ، هذا مع خلوّ أغلب روايات الوضوء المسحي
عن هذا التبرّع الذي يكمن وراءه شيءٌ.

جـ ـ محاولة استشهاد جماعة على صحّة وضوئه لاكتساب الشرعية واقتطاب
أكبر عدد ممكن لتأييد الوضوء الجديد ، فالرواية تقول أنّه كان يقول : أكذلك يا فلان ؟
قال : نعم ، ثمّ قال : أكذلك يا فلان ؟ قال : نعم ، حتّى استشهد ناساً من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وآله ، ثمّ قال : الحمد لله الذي وافقتموني على هذا
(5) ، حتّى ادّعي في
بعضها ـ كما قلنا ـ أنّه استشهد طلحة والزبير وعلياً وسعداً فشهدوا له
(6) . هذا مع أنّ
الصحابة لم يكونوا بحاجة لتعلّم الوضوء ، لوضوحه عندهم ، ولأنّ المذكورين هم
من المعارضين لعثمان في فقهه ـ وبعضهم في وضوئه وفقهه ـ فكيف شهدوا له ؟!
فهذه الأحاديث تدل على قوة المعارضة المحدّثة ، وضعف موقف الخليفة في
وضوئه الجديد.

د ـ إنّ عثمان كان يذيل وضوءاته الثلاثية الغسلية بجمل ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله
لينتقل منها ـ طبق الرأي والاستحسان ـ إلى تقرير وضوئه الجديد ، أي أنّه كان ينتقل
____________
(1) سنن الدار قطني 1 : 91|الحديث 4.
(2) سنن الدار قطني 1 : 91|4 ، و 13|8.
(3) اُنظر مسند أحمد 94 : 4.
(4) مسند أحمد 4 : 288.
(5) كنز العمال 41 : 9|26883 عن الدار قطني 1 : 85|9 ، واُنظر مسند أحمد 1 : 57 و 1 : 67 ـ 68 ، وكنز
العمال 9 : 441|26883.
(6) اُنظر كنز العمال 9 : 447|26907.
( 34 )
من معلوم إلى مجهول يراد إثباته ، فهو يذيّل وضوءه تارة بقوله : « من توضأ فأحسن
الوضوء ثمّ صلّى ركعتين كان من ذنوبه كيوم ولدته أمّه »
(1) ، وأخرى بقوله : « من توضأ
فأحسن الطهور كفر عنه ما تقدم من ذنبه »
(2) .

ويذهلنا ثالثة حين يقول : والله لأحدِّثنكم حديثاً ، والله لولا آية في كتاب الله ما
حدثتكموه... إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : « لا يتوضأ الرجل فيحسن وضوءه
ثمّ يصلي إلاّ غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها » ، قال عروة : الآية (
إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى )... إلى قوله (اللاعنون
) (3) .
فهل إنّ الوضوء وإحسانه يستدعي كل هذا الخوف والإحجام لولا آية في كتاب
الله ؟ مع أنّ عشرات الصحابة رووا هذا المضمون عن النبي صلى الله عليه وآله ؟! وسيتبين لك كيف
أن الأمويين عبر أم المؤمنين عائشة وأبي هريرة استغلوا مفهوم وربطوه بإسباغه
وبقوله صلى الله عليه وآله : ويل للأعقاب من النار ، ثمّ أرادوا له أن يفيد الغسل لا غير ، حيث إنهم
كانوا قد فسّروا الإسباغ بتثليث غسل الأعضاء ، كما فسروا جملة (ويل للأعقاب من
النار) بغسل الأرجل.
هـ ـ ضحكات وتبسّمات الخليفة عند الوضوء ، فإنّه كان يضحك عندما يأتونه
بماء للوضوء ويقول : ألا تسألوني ممّ أضحك ؟ ثمّ يجيب معلِّلاً تارةً بأنّه رأى
رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ وضوءه (4) ، وأخرى بأنّه لغفران ذنوب و حطَّ خطايا
المتوضي (5) ، وثالثة بأنه لغفران ذنوب من توضّأ وضوءه ثمّ دخل في صلاته (6) ،
ورابعة بأنه ضحك وسأل أصحابه عن سرّ ضحكه لأنّه رأى النبي صلى الله عليه وآله ـ قريباً من مكانه
____________
(1) المصدر السابق.
(2) كنز العمال 9 : 424|26800.
(3) صحيح مسلم 1 : 206|الحديث 6. والآية : 159 من سورة البقرة.
(4) اُنظر كنز العمال 9 : 436|26863.
(5) اُنظر كنز العمال 9 : 442|26886 (حم والبزار حل 4 وصحح). ومسند أحمد 1 : 58 و 61.
(6) اُنظر كنز العمال 9 : 439|26872 (كر).
( 35 )
ـ قد ضحك وسأل أصحابه عن سرّ ضحكه ، ثمّ علل سبب الضحك تارة بأنّ الوضوء
الغسلي وحده ، وتارة بأنه مع الصلاة ، سببٌ لحطِّ الذنوب.

وهذه العنايات كلّها تدل على أنه كان يريد أن يضيف شيئاً إلى النبي صلى الله عليه وآله بشتّى
الحجج ، وإلاّ فلماذا لم تنقل تلك التبسمات والضحكات بهذه الكثرة عن غيره عن
رسول الله صلى الله عليه وآله في نقلهم لوضوئه المسحي ؟! ولماذا لم يضحك لغير ذلك التعليم ؟!

و ـ إن جميع وضوءات عثمان البيانية هي ثلاثية الغسلات ، ولم يأت عنه خبر
في باب الوضوء مرّة ومرتين ، مع ورود أخبار عن عمر وعلي وابن عباس وجابر
وغيرهم فيه.

فهل كان عثمان يرى عدم إجزاء المرّة والمرتين ؟!

أم أنّ تثليثه كان يستبطن أمراً جديداً ؟! وهو التأكيد على الوضوء الثلاثي
الجديد واعتباره هو الإسباغ فقط ـ والذي طوره عثمان من بعد حتّى صار يغسل
رجليه ، وطوّره معاوية فغسل رأسه ـ وبذلك فلم يكن للمسح حكم في المذاهب
الأربعة لا في الرأس ولا في القدمين لتجويزهم الغسل بدله فيها. !!

ويؤيد ما قلناه ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه قال ـ بعد أن
توضأ الوضوء الثلاثي الغسلي ـ : فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم
(1) ، فهل
يعقل أن يكون من توضأ مرّة أو مرتين قد أساء وظلم ، مع ثبوت ذلك الوضوء عن
النبي صلى الله عليه وآله وكبار الصحابة ؟!

يبدو أنّ عثمان ومتابعيه أرادوا التأكيد على الثلاثي فقط وفقط واعتباره هو
الإسباغ المقصود دون غيره.

ز ـ إنّ وضوءات عثمان تحمل في طياتها إشارات تشير إلى إحداثه ، وتعدّيه في
الوضوء.
____________
(1) سنن أبي داود 1 : 33|الحديث 135. واُنظر سنن البيهقي 1 : 79 وسنن ابن ماجة
146 : 1 |الحديث422. واُنظر تعليق السيوطي على هذا الحديث في هامش النسائى 88 : 1.
( 36 )
منها : قوله : رأيت النبي صلى الله عليه وآله يتوضأ نحو أو مثل وضوئي هذا
(1) ، وقوله : رأيت
رسول الله صلى الله عليه وآله توضأ وضوئي هذا
(2) ، ولا تراه يقول مثلاً : توضأت كما رأيت
رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ ، أو نحو أو مثل وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذه الجمل لها دلالة
نفسية على جعل وضوئه هو الميزان والقول الفصل.
ومنها : انحصار القبول وغفران الذنوب بالوضوء الثلاثي ـ خصوصاً مع عدم
نقله للوضوء الثنائي والأحادي الغسلات ، وورود ذلك عن جم غفير من الصحابة
والتابعين ـ فهو يشير إلى تبنّي عثمان للوضوء الثلاثي الغسلي لا غير.
ومنها : وجود جملة « لا يحدّث نفسه بشيء »
(3) في وضوءاته ، والتي احتملنا
كونها جاءت لتزكية نفسه وإبعاد الشبهة عنه ، إمعاناً في إضفاء المشروعية على
وضوئه.
ومنها : عدم تكلّم عثمان في أثناء وضوئه ، ليطبع عليه طابع الهالة والقدسية ،
حتّى أنّه لم يكن يردّ سلام المسلِّم في أثناء وضوئه ، معلِّلا ذلك بما رواه عن النبي
صلى الله عليه وآله من أنّ من توضّأ وتشهّد ولم يتكلّم بينهما غفر له ما بين الوضوئين ، مع أن ردّ
السلام واجب وليس هو كسائر الكلام ـ على فرض صحة رواية عثمان
(4) ـ.

كل تلك الأدلة والقرائن والشواهد جعلتنا نطمئن إلى أن عثمان كان هو البادىَ
بالخلاف ، والطارح للوضوء الثلاثي الغسلي الجديد.
عثمان والإحداث

بقي علينا أن نوضّح السبب ـ أو الاسباب ـ التي دعت عثمان إلى إحداث هذا
____________
(1) صحيح البخاري 1 : 51 ، سنن أبي داود 1 : 106 ، سنن البيهقي 1 : 48 ، سنن النسائي 1 : 64 و 65 ، سنن
الدارقطني 1 : 83|14. صحيح مسلم 1 : 205.
(2) سنن النسائي 1 : 65 ، سنن البيهقي 1 : 48.
(3) سنن النسائي (المجتبى) 1 : 65 ، سنن البيهقي 1 : 48.
(4) اُنظر كنز العمال 9 : 442|26887 و 26885 و 26888 ، وسنن الدار قطني 1 : 92|الحديث 5.
( 37 )
الوضوء الثلاثي الجديد ، وللإجابة عن ذلك رأينا أوّلاً أن ننظر في سبب مقتله ، لأننا
توصلنا إلى أنّ السبب الأكبر الذي دعا قاتليه إلى قتله هو إحداثاته في الدين ،
لامجرّد تصرّفاته وسوء سياسته المالية والإدارية ، وذلك من خلال ملاحظة القضايا
الرئيسية التالية :

1 ـ إن طلحة والزبير كانا من أوائل المؤلّبين عليه والمفتين بقتله ، مع
أنّ عثمان أغدق عليهما الأموال بشكل عجيب
(1) ، وكذلك الأمر بالنسبة
لعبد الرحمن بن عوف
(2) ، مضافاً إلى وعد عثمان إياه بالخلافة
(3) ، وهكذا كان
عثمان يغدق الأموال على باقي الصحابة ـ إلاّ نفراً يسيراً ـ فمن غير المنطقي أن
يقتلوه لإيثاره أقرباءه فقط مع حصولهم على نصيب وافر من المال ، بل هناك أسباب
دينية وابتداعات جعلتهم يقتلونه ـ ربّما يكون بعضها في المكاتبات التي كره الطبري
ذكرها
(4) ، وربّما كانت من الأسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله ، والتي ترك
ابن الأثير ذِكرَ كثيرٍ منها
(5) .

2ـ إنّ سياسة عثمان الماليّة الطبقية كانت تستوجب عزله لا قتله
(6) ، وبما أنّ
الصحابة بين قاتل وخاذل له ـ حسب تعبير ابن عمر ـ كان لابدّ من وجود سبب مبيح
لدمه ، ولعله الإحداث في الدين لا في التصرفات الخارجية حَسْبُ.
____________
(1) فقد وهب لطلحة خمسين الفاً كما في الطبري 405 : 4 ، ووصله بمائتي الف وكثرت مواشية و عبيده ، وقد
بلغت غلته من العراق وحدها الف دينار يومياً ، ولمّا مات كانت تركته ثلاثين مليوناً من الدراهم ، وكان النقد
منها مليونين ومائتي الف درهم ومائتي الف دينار. واُنظر في أموال الزبير وضخامتها كتاب الفتنة
الكبرى 147 : 1.
(2) كانت أموال ابن عوف الف بعير ومائة فرس وعشرة آلاف شاة وأرضاً كانت تزرع على عشرين ناضحا.
اُنظر مروج الذهب 2 : 333.
(3) حيث قال له علي يوم السقيفة : والله ما رجوت منه إلاّ ما رجا هو من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم.
(4) اُنظر تاريخ الطبري 4 : 557.
(5) اُنظر الكامل في التاريخ 3 : 167.
(6) الكامل في التاريخ 3 : 167.
( 38 )

3ـ وجود مبتدعات دينية فقهية يقينية صدرت من الخليفة عثمان ، احتج عليها
الصحابة كلٌّ بطريقته ، لكنّ عثمان لم يرتدع عنها ، كإتمام الصلاة بمنى
(1) ، وكزيادته
النداء الثالث في يوم الجمعة في السنة السابعة من خلافته وقد كان « الناس » عابوا
عليه ذلك وقالوا : بدعة
(2) ، وكتقديمه الخطبة على الصلاة في العيدين
(3) ، وغيرها ،
مما يؤكد صدور الابتداع عن عثمان في بعض المسائل الفقهية ، فلا غرابة في أن
يسرّي ذلك إلى مفردات ومسائل أخرى كالوضوء.

4 ـ إنّ تصرفات عثمان وإحداثاته العملية كانت تستتبع إحداثات علمية
ودينية ، يكمن وراءها الخطر على الإسلام وأحكامه ، فعدم إقامته الحدّ على
الوليد بن عقبة يعني إبطال الحدود وتوعّد الشهود
(4) .

ومثله تأييده لنظرة سعيد بن العاص في أن السواد بستان لقريش وبني أمية ،
فإنّها تعني إبطال قانون توزيع الفيء الذي يفيئه الله على المسلمين بأسيافهم
(5) .

وإعطاء فدك وخمس أفريقية لمروان
(6) ، يعني سحق قانون الميراث إن كانت
فدك للنبي صلى الله عليه وآله ومن بعده لورثته ، أو تدمير قانون الفيء إن كانت فيئًا للمسلمين ،
وهكذا باقي إحداثاته.

5 ـ والّذي يؤكّد ذلك ، هو النصوص التي صدرت عن الصحابة المعاصرين
لتلك الإحداثات والإبداعات ، والتي تدل على إحداثاته في الدين.

كقول طلحة لعثمان : إنك أحدثت أحداثاً لم يكن الناس يعهدونها
(7) ، وقوله له
____________
(1) اُنظر كلام ابن أبي الحديد في شرح النهج 1 : 199 ـ 200.
(2) أنساب الاشراف 5 : 39 ، المنتظم 5 : 7 ـ 8.
(3) فتح الباري 2 : 361 ، نيل الأوطار 3 : 362 ، تاريخ الخلفاء : 164 ـ 165.
(4) اُنظر أنساب الأشراف 5 : 34 ، الإمامة والسياسة 1 : 37 ، صحيح مسلم 3 : 1331|الحديث 38.
(5) شرح النهج 3 : 21 و 35 ، الكامل في التاريخ 3 : 137 ـ 141 ، تاريخ الطبري 4 : 322 ـ 323.
(6) اُنظر المعارف : 112 ، وأنساب الاشراف 5 : 25 ، والإمامة والسياسة 1 : 35.
(7) أنساب الأشراف 5 : 29.
( 39 )
أيضاً : إن الناس قد جمعوا لك ، وكرهوا البدع التي أحدثت
(1) .

وكقول الزبير في حقّه : اقتلوه فقد بدّل دينكم
(2) .

وكقول عبد الله بن مسعود : ما أرى صاحبكم إلاّ وقد غيّر وبدّل ، وفي آخر عنه :
إنّ أصدق القول كتاب الله ، وأحسن الهدى هدى محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها ،
وكل محدث بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار
(3) ، وفي ثالث : إنّ دم
عثمان حلال
(4) .

وقول عمار في خطبة له بصفين : فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت دنياهم
ولو درس هذا الدين : لِمَ قتلتموه ؟ فقلنا : لإحداثه
(5) ...

وقوله لعمرو بن العاص : أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه
(6) .

وقول سعد بن أبي وقاص في قتل عثمان : وأمسكنا نحن ، ولو شئنا دفعناه
عنه ، ولكن عثمان غيَّر وتغيَّر
(7) .

وقول هاشم المرقال : أحدث الأحداث وخالف حكم الكتاب
(8) .

وقول الأشتر : إنّ عثمان قد غيّر وبدل
(9) .

وقول عائشة ، وقد أخرجت قميص رسول الله صلى الله عليه وآله : هذا قميصه وشعره لم يبل
وقـد بلي دينه
(10) ، وقولها : هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبل وعثمان قد أبلى
____________
(1) الفتوح 1 : 35.
(2) شرح النهج 9 : 36.
(3) حلية الأولياء 1 : 138 ، أنساب الاشراف 5 : 36 ، شرح النهج 3 : 42.
(4) أنساب الاشراف 5 : 36.
(5) صفين : 319.
(6) صفين : 338 ، شرح النهج 8 : 22.
(7) الامامة والسياسة 1 : 48
(8) تاريخ الطبري 5 : 43.
(9) انساب الاشراف 5 : 45 ، الامامة والسياسة 1 : 38.
(10) المختصر في أخبار البشر 1 : 172.
( 40 )
سنته
(1) ، وقولها مشبّهة له برجل من اليهود : اقتلوا نعثلاً فقد كفر
(2) .

وقول علي : في يوم الشورى : أما إنّي أعلم أنّهم سيولّون عثمان ، وليحدثنّ
البدع والأحداث
(3)

بل كتَبَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وآله بعضهم إلى بعض أن أقدموا ، فإن كنتم تريدون
الجهاد فعندنا الجهاد
(4) فَعَدُّوا قتال عثمان جهاداً ، ولا يستقيم ذلك إلاّ لحفظ الدين
من التحريف والتلاعب.

وعرف المسلمون جميعاً ابتداعات عثمان ، الّتي أراد أن يتلافاها بمثل توسعته
للمسجد الحرام ، فقالوا : يوسّع مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ويغير سنّته
(5) .

بل منعوا من دفنه في مقابر المسلمين ، حتّى دُفن ليلاً في حشّ كوكب ـ وهي
من مقابر اليهود ـ وتحت الخوف ، وإنّ رأسه ليقول « طق طق ».

وهذا لا يكون من الصحابة والناس والمسلمين إلاّ بعد فراغهم عن انحرافات
عثمان وابتداعاته الدينية لا مجرّد سوء تصرّفاته ، وتدهور الاقتصاد واختلال النظام
الإداري.

فمن كل هذا نعلم أنّ عثمان كان ذا جنوح إلى الابتداع والإحداث والتغيير ،
فلاغرابة في أن يطرح رأيا وضوئياً جديداً كما طرح آراءً من قبل في منى وصلاة
الجمعة وصلاة العيدين وغيرها ، مضافاً إلى أنّ هناك عوامل تربوية ونفسية وسياسية
واجتماعية أخرى حَدَت به إلى الإبداع الوضوئي ، والنزوع إلى تثليث الغسلات ،
وغسل الممسوحات من بعد ، وهي :
____________
(1) شرح النهج 3 : 9.
(2) الفتوح 1 : 64.
(3) تاريخ الطبري 4 : 230.
(4) تاريخ الطبري|حوادث سنة 34 هـ.
(5) أنساب الاشراف 5 : وتاريخ الطبري 4 : 267.
( 41 )
لِمَ الإحداث في الوضوء

1 ـ إنّ عثمان كان يرى لنفسه أهليّة التشريع ، كما كانت من قبل للشيخين ، فإنّه
ليس بأقل منهما شأناً ، حتّى يجوز لهما الإفتاء بالرأي ولا يجوز له ؟! مع أنّهم جميعاً
من مدرسة واحدة هي مدرسة الاجتهاد ، وكلّ منهم خليفة !!

2 ـ إنه كان من المتشدّدين بظواهر الدين تشدّداً منهيّاً عنه ، حتّى أنّه عند بناء
مسجد النبي صلى الله عليه وآله كان يحمل اللبنة ويجافي بها عن ثوبه ، فإذا وضعها نفض كفيه ونظر
إلى ثوبه ، فإذا أصابه شيء من التراب نفضه ، وذلك كلّه لأنّه كان رجلاً نظيفاً
متنظّفاً
(1) ، مع أنّ عماراً كان على ضعفه يحمل لبنتين.

وكان عثمان يغتسل كل يوم خمس مرات ، ولا يردّ سلام المؤمن إذا كان في
حالة الوضوء ، وقال هو عن نفسه بأنّه لم يمدّ يده إلى ذكره منذ بايع رسول الله صلى الله عليه وآله ،
وغيرها من حالاته التي تنمّ عن نفسيه مهيّأة للتزيّد والمبالغة في التنظف.

3 ـ استفادة عثمان من كون الوضوء نظافة وطهارة ، وهذه الفكرة تلائم فكر
عثمان ، فلذلك يكون عنده تثليث الغسلات وغسل الممسوحات أكثر نظافة
وطهارة ، ولا غضاضة في ذلك من وجهة نظره.

4 ـ وجود أحاديث نبويّة أمكنه الاستفادة منها في طرح وضوئه الغسلي ،
كاستفادته من إحسان الوضوء ، لأنّه كان قد قال بعد وضوئه الغسلي : والله لأحدثنكم
حديثاً ، والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه... إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
يقول : لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ، ثمّ يصلي إلاّ غفر له ما بينه وبين الصلاة التي
تليها »
(2)
. واستُفيد من بعده من « أسبغوا الوضوء » ومن « ويل للأعقاب من النار
لتدليل على الغسل.
____________
(1) اُنظر العقد الفريد 90 : عن ام سلمة.
(2) صحيح مسلم 1 : 206|الحديث 6.
( 42 )

5 ـ إنّه حين الثورة عليه كان يحاول تكثيف هالة القدسية حول نفسه ليدفع
الثوار عن قتله ، فكان يذكرهم مواقفه وشراءه بئر رومة ووو
(1) ليثبت بقاءه على
الإيمان ، فكان الوضوءُ الجديدُ خطوةً في هذا الدرب ، إرادةً منه معالجة الموقف ،
لكنه عالج الداء بالداء لا بالدواء.

6 ـ كان يحاول إشغال الناس بالخلافات الفقهية ، والمناقشات فيها ، لدفعهم
عن قتله وعن الخوض في مساوىء سياسته المالية والإدارية ، وذلك ما حصل
بالفعل في كثير من آرائه ، إلاّ أنّ النتيجة لم تكن محمودة العاقبة بالنسبة له ، ولذا قال
الإمام علي بأنّ عمله هو الذي أجهز عليه.

7 ـ ومن أهم دوافع إبداعاته هو التفاف الأمويين حوله ، محاولين بناء مجد
فقهي سياسي جديد ، وهذا هو الذي أبعد بعض كبار الصحابة من التعاون معه ، مما
خلق عنده فراغاً فقهياً ملأته العقلية الأمويّة المحيطة به.

8 ـ وجود حالة الاستسلام عند كثير من الصحابة ، والتي جعلت الخليفة
لايتورّع عن طرح ما يرتأيه ، لأنّ غاية معارضتهم أن تنتهي بمجرد قوله : « رأي
رأيته » ، أو بقولهم : « الخلاف شر » ، و« إنّ عثمان إمام فما أخالفه »
(2) ، ممّا يعني
رسوخ ما يطرحه الخليفة في نهاية المطاف.

9 ـ تفشّي حالة الاجتهاد ، وتلقّيها بالقبول من قبل كثير من الصحابة ، مما
أهّلهم لاستقبال ما يطرحه عثمان كرأي مقبول ، وقد تفشت هذه الحالة نتيجة
اجتهادات وآراء عمر بن الخطّاب بشكل كبير جداً ، ومن قبله آراء الخليفة أبي بكر.

فمن كل هذه الأمور ـ وأمور جزئية أخرى طرحناها من قبل في مدخل الدراسة
ـ وجدنا هذه المبررات هي التي دفعت عثمان لابتداع الوضوء الثلاثي الغسلي
الجديد ، الذي لم يرتضه الصحابة المتعبدون !!
____________
(1) اُنظر تاريخ الطبري وغيره.
(2) اُنظر الكامل في التاريخ 4 : 104 ، البداية والنهاية 7 : 228 ، سنن البيهقي 3 : 144.
( 43 )
علي والوضوء

ولمّا تولّى الإمامُ عليّ الخلافة ـ وهو المتبنّي الوحيد من بين الخلفاء الأربعة
لمدرسة التعبد المحض ـ راح يبين الوضوء النبويّ للمسلمين ، ويعرِّض ويشير إلى
إحداث عثمان في الوضوء النبوي ، ونستطيع أن ندرج خطواته في بيان الوضوء
النبوي في المندرجات الآتية :

1 ـ إنّ الثابت المحفوظ عن عليّ في كتب الفقه والتفسير والحديث هو الوضوء
الثنائي المسحي ، يتبعه في ذلك صحابة كُثر على رأسهم ابن عباس والطالبيون
وأنس بن مالك.

2 ـ كان الإمام علي يشير إلى الإحداث الذي طال الوضوء بمثل قوله بعد
الوضوء المسحي وشربه من فضلته : « إن أناساً يكرهون هذا ، وقد رأيت رسول الله
صلى الله عليه وآله يفعله ، وهذا وضوء من لم يحدث
(1) » ، وقوله : « وهذا وضوء من لم يحدث ،
ورأيت رسول الله صلى الله عليه وآله فعل هكذا »
(2) ، فهو يؤكّد وجود المحدثين في الوضوء ، ولم
يكن قبله محدِثُ في الوضوء إلاّ عثمان كما علمت.

3 ـ قوله عليه السلام : قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله
صلى الله عليه وآله متعمّدين لخلافه... مغيّرين لسنته... أرأيتم لو أمرت بمقام إبراهيم فرددته إلى
الموضع الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلى أن يقول : ورددت الوضوء والغسل
والصلاة إلى مواقيتها وشرائعها ومواضعها
(3) .

وهذا النص ـ بعد الفراغ عن عدم إبداع الشيخين في الوضوء ـ يكاد يكون
____________
(1) مسند أحمد 1 : 153 ، واُنظر مسند أحمد 1 : 144 ، سنن البيهقي 1 : 75.
(2) مسند أحمد 1 : 12. وقد بيّنّا في هذا المجلد الاول (المدخل) فساد رأي من ذهب إلى أن المقصود
بالحدث هو الحدث الناقض للوضوء فراجع.
(3) الكافي 8 : 59 ـ 62.
( 44 )
صريحاً في إبداع عثمان للوضوء ؛ لأنّه عليه السلام صرح بابتداع الولاة من قبله ، ولمّا كان
الشيخان براء من بدعة الوضوء بقي عثمان هو المقصود في كلام الإمام لا محالة.

4 ـ كتابة الإمام علي كيفية الوضوء لواليه محمد بن أبي بكر في جملة ما كتبه
إليه ، وكان في كتابه عليه السلام « تمضمض ثلاث مرات ، واستنشق ثلاثاً ، واغسل وجهك ،
ثمّ يدك اليمنى ، ثمّ اليسرى ، ثمّ امسح رأسك ورجليك... فإني رأيت رسول الله
صلى الله عليه وآله يصنع ذلك »
(1) .

5 ـ تنبيه وإشارة الإمام علي ـ في جملة أحاديثه الوضوئية ـ إلى أن مبعث
الإحداث في الوضوء هو الاجتهاد والرأي ، وأنّ الوضوء ـ بل الدِّين ـ لا يُدرك
بالرأي ، فكان يقول : « لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أحقّ بالمسح من
ظاهرها ، لكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله مسح ظاهرها »
(2) ، ويقول : « كنت أرى أنّ باطن
القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتّى رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح ظاهرهما »
(3) .

فهو يقرر أنّ الدين ـ ومنه الوضوء ـ لا يدرك بالرأي كما يتصوره البعض ، وإلاّ
لكان باطن القدم أحقّ بالمسح ، فكيف يُعدَلُ عنه إلى غسل الظاهر والباطن بمحض
الرأي والاجتهاد ؟!

6 ـ كانت وضوءات الإمام عليّ البيانية ـ وكذلك ابن عباس وأنس بن مالك ـ
تحمل في ثناياها أدلّة من الكتاب والسنة ، وليست ادعاءات محضة لرؤية الوضوء
النبوي ، لأن قول علي : « لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدم أحق بالمسح من
ظاهرها لكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح على أعلى قدميه »
(4) ، وما شاكله يتضمّن
____________
(1) اُنظر أمالي المفيد المطبوع في جملة مصنفاته 13 : 267 ، أمالي الطوسي : 29 بإسناد في ضمنه الثقفي
صاحب الغارات ، و قد حُرف النص المتقدم في كتاب الغارات المطبوع وقد بينا التحريف الواقع في نسخ
الغارات المطبوع ، ومن أراد المزيد فليراجع مدخل الدراسة.
(2) المصنف 1 : 30|الحديث 6.
(3) سنن أبي داود 42 : الحديث 164.
(4) تأويل مختلف الحديث 1 : 56.
( 45 )
دلالة الكتاب على المسح لأنّه أرسله إرسال المسلمات طبق أصل تشريعه وهو آية
الوضوء الظاهرة في مسح القدمين ، ثمّ دَحضَ الرأي الذي لو سُلّم لكان الباطن أحق
بالمسح ، وعلى التقديرين فالمسح هو المشروع سواء كان الظاهر أو الباطن ، وبعد
كلّ ذلك أكّد علي بن ابي طالب رؤيته النبي صلى الله عليه وآله وهو يمسح أعلى قدميه.

وكذلك ابن عباس كان يقول « لا أجد في كتاب الله إلاّ غسلتين ومسحتين ».

وكان أنس يعارض رأي الحجاج الذاهب إلى غسل القدمين ـ بحجة أنّه أقرب
شيء للخبث ـ بقوله : صدق الله وكذب الحجاج ، قال تعالى : (
وامسحوا برؤوسكم
وأرجلكم).

والمقصود الأوّل هنا هو تدليلات الإمام علي بالكتاب والسنة ودحض الرأي ،
وهذا بخلاف وضوءات عثمان المدعية لمحض الرؤية والمتشبّثة بما لا يمت إلى
أصل أفعال الوضوء بصلة ، فكأنّ الإمام عليّاً أراد أن يشير إلى اجتهاد عثمان في
الوضوء ودحضه.

7 ـ وبعد هذا كله فإنّنا لا نرى في وضوءات علي ولا ابن عباس ولا أنس
ولاغيرهم من الماسحين تلك الضحكات والتبسمات ، ولا إشهادات الخائف
الطارح لفكر جديد ، ولا تبرّعات بالتعليم لمجرّد سماع مضمضة ، ولا غيرها مما
ذكرناه في الوضوءات العثمانية ، بل نرى الحالة حالة طبيعية منسجمة مع سير الأمور
في تعليم الوضوء النبوي صلى الله عليه وآله الصحيح ، ودحض الوضوء الجديد النابع من الرأي ؛ اذ
كانت نصوصهم تحوي النفي والاثبات معاً.
الأمويون والوضوء :

ولمّا استشهد الإمام علي وصالح الإمامُ الحسنُ معاويةَ ، تولّى الأخير السلطة ،
فراح يترسّم خطى عثمان فقهياً ويدعمه عقائديًّا ، ويتبنّى آراء ابن عمه ، كما حدث
ذلك عندما صلّى الظهر في مكّة ركعتين ، فنهض إليه مروان بن الحكم
( 46 )
وعمرو بن عثمان وقالا له : ماعاب أحد ابن عمك بأقبح ممّا عبته به.

فقال لهما : أنّه صلاهما مع النبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر قصراً.

فقالا له : إنّ ابن عمك قد كان أتمّهما ، وإنّ خلافك إيّاه عيب ، فخرج معاوية
إلى منى فصلاّها بنا أربعاً
(1) .

وكذلك تابع عثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين
(2) ، وكذلك ترك
معاوية التكبير المسنون في الصلاة لترك عثمان ، وتركه زياد بن أبيه لترك معاوية
(3) .

ومثله فَعَل في تركه التلبية في الحج
(4) حيث نصّوا على أنّ النبي صلى الله عليه وآله وأبا بكر
وعمر أهلّوا ولم يذكروا عثمان
(5) ، هذا إلى غيرها من المفردات الفقهية.

وكذلك كانت خطوات معاوية في تقرير قاعدة « من غلب » بعد أن كان يعتقدها
عثمان ، مضافاً إلى مفاهيم عقائدية ركّزها معاوية يعود نفعها لتثبيت أركان الحكم
الأموي وعلى رأسه أفكار عثمان ، والّذي يهمنا هو تبنّيه لفقه عثمان ، وتأثير ذلك
على الوضوء.

لقد سار الفقه الأموي على خطى عثمان ، فراح يستفيد من « أسبغ الوضوء »
و« ويل للأعقاب من النار » لترسيخ الوضوء العثماني.

1ـ فقد دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على عائشة يوم توفّي سعد بن أبي وقاص
[ سنة55 هـ ] فتوضأ عندها ، فقالت له : يا عبد الرحمن ، أسبغ الوضوء ، فإني سمعت
رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ويل للأعقاب من النار
(6) .

فلاحظ كيف عدلت عائشة عن قول النبي صلى الله عليه وآله « أسبغوا الوضوء » ـ مع أنّ المقام
____________
(1) أنظر مسند أحمد 4 : 94 ، فتح الباري 2 : 457 ، نيل الاوطار 3 : 259.
(2) أنظر الدر المنثور 2 : 137 ، والموطأ 2 : 538|الحديث 34.
(3) أنظر فتح الباري 2 : 215.
(4) سنن النسائي (المجتبى) 5 : 253 ، سنن البيهقي 5 : 113.
(5) أنظر المحلى 7 : 135 ـ 136 ، فتح الباري 3 : 419 ـ 420.
(6) صحيح مسلم 1 : 213|الحديث 25 ، الموطأ 1 : 19|الحديث 5 ، شرح معاني الآثار
1 : 38| الحديث 188.
( 47 )
يقتضي الاستدلال به
(1) إلى الاستدلال بـ « ويل للأعقاب من النار » ، وهذا العدول
يكمن وراءه ادّعاء أم المؤمنين ـ ومن ورائها الأمويون ، وعثمان من قبل ـ دلالةَ « ويل
للأعقاب » على الوضوء الغسلي ، كما ترسّخ ذلك الفهم حتّى اليوم عند أتباع مدرسة
الاجتهاد والرأي.

ومحصّل الكلام إنّ هذا النصّ يوقفنا على الاختلاف بين وضوء عبد الرحمن
والوضوء الذي أرادته أم المؤمنين عائشة ، وحيث عرفنا أن عائشة بقولها السابق
أرادت التدليل على الغسل ، عرفنا من مفهوم المخالفة أن عبد الرحمن كان يذهب
إلى المسح على القدمين.

وجاء أبو هريرة ليصنع نفس صنيع أمِّ المؤمنين ، وذلك أنّه رأى قوماً يتوضؤون
من المطهرة ، فقال : أسبغوا الوضوء ، فإنّي سمعت أبا القاسم يقول : « ويل للعراقيب
من النار »
(2) .

وقد مثّل غير واحد من العلماء
(3) للإدراج بحديث أبي هريرة عن رسول الله
صلى الله عليه وآله « أسبغوا الوضوء ، ويل للأعقاب من النار » لكونهما لم يصدرا على هذا النسق من
النبي صلى الله عليه وآله ، وهذا يدلنا على أنّ ابا هريرة كان يريد الاستفادة ـ كعائشة ـ من « الويل
للأعقاب » او (العراقيب) للتدليل على الوضوء الغسلي العثماني.

ويتضح ذلك بجلاء فيما اخرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريح ، قال : قلت لعطاء :
لِمَ لا أمسح بالقدمين كما أمسح بالرأس ، وقد قالهما جميعاً
(4) ؟

قال : لا أراه إلاّ مسح الرأس وغسل القدمين ، إنّي سمعت ابا هريرة يقول : ويل
للأعقاب من النار.

قال عطاء : وإنّ أناساً ليقولون هو المسح ، وأمّا أنا فأغسلهما
(5) .
____________
(1) لكونها قد قالت : يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء
(2) صحيح مسلم 1 : 214 ـ 215|الحديث 29.
(3) انظر مثلاً السيوطي في تدريب الراوي.
(4) يعني أن القرآن قالهما معاً.
(5) المصنف لعبد الرزاق 1 : 20|الحديث 58.
( 48
)

فها هو يستدل على الغسل بقول أبي هريرة « ويل للأعقاب » ، وهذا يبيّن لنا
حلقات متواصلة في سبيل تثبيت الوضوء الغسلي ، فمن عدول عائشة ، وإدراج
أبي هريرة ، واستدلال عطاء ، تتبيّن سلسلة التطورات التي استفيد منها لتقرير
وتدعيم الوضوء العثماني.

2 ـ واستمر التدعيم الأمويّ للوضوء العثماني ، والإصرار من (نهج التعبد
المحض) على بطلان ذلك ، ومخالفته للكتاب والسنة.

فقد أخرج ابن ماجة بسنده إلى الربيّع بنت معوّذ أنّها قالت : أتاني ابن عباس
فسألني عن هذا الحديث ـ تعني حديثها الذي ذكرت أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله توضأ وغسل
رجليه ـ فقال ابن عباس : إنّ الناس أبوا إلاّ الغسل ، ولا أجد في كتاب الله إلاّ
المسح
(1) .

وقال الحميدي : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل
بن ابي طالب عليه السلام ، قال : أرسلني علي بن الحسين إلى الربيع بنت المعوذ بن عفراء ،
أسألها عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكان يتوضّأ عندها ، فأتيتها ، فأخرجت إليّ إناء...
فقالت :... بهذا كنت أخرج لرسول الله صلى الله عليه وآله فيبدأ فيغسل يديه ثلاثاً ، قبل أن
يدخلهما الإناء ، ثمّ يتمضمض ويستنثر ثلاثاً ثلاثاً ، ويغسل وجهه ثلاثاً ، ثمّ يغسل
يديه ثلاثاً ثلاثاً ، ثمّ يمسح رأسه مقبلاً ومدبراً ، ويغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ، قالت : وقد
جاءني ابن عمّ لك [ تعني ابن عباس ] فسألني عنه فأخبرته.

فقال : ما علمنا في كتاب الله إلاّ غسلتين ومسحتين
(3) .

وهنا نقف على صراعين وضوءيين كانا في العصر الأموي.

أ ـ بين الربيع وبين ابن عباس.

ب ـ بين الربيع وبين الإمام السجاد وعبد الله بن محمد بن عقيل

فالربيع ـ وعلى ضوء النصين الآنفين ـ كانت قد تبنّت الوضوء الغسلي وأصرت
____________
(1) سنن ابن ماجة 1 : 156|الحديث 458.
(2) مسند الحميدي 1 : 164 ، ومسند أحمد 6 : 358.